واقع وحقيقة البحث العلمي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان

Écrit par

dans

واقع وحقيقة البحث العلمي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان (جامعة عبد المالك السعدي)

تفاديا للإطالة في موضوع يحتاج أياما وأسابيع لبسط معطياته ومناقشة إشكالاته المتعددة، أحيل القارئ الكريم في مستهل هذا العرض على الإحصائيات الصادرة عن المؤسسات المتخصصة في تصنيف المؤسسات الجامعية، سواء على الصعيد الوطني أو الدولي، ليقف بنفسه على رتبة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان، وجامعة عبد المالك السعدي بصفة عامة. كما أدعوه، موازاة مع ذلك، إلى القيام بإطلالة على موقعي الكلية والجامعة للاطلاع على عدد وطبيعة الأنشطة العلمية المعلن عنها، وملاحظة أن قيمة العديد منها لا يتجاوز قيمة الصور المعروضة على حسابات المشاركين وتعليقات متابعيهم.

أرغب هنا في تقديم عرض جد موجز لنشاطين علميين نظما مؤخرا داخل رحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان، واستخلاص العبر والدلالات منهما من أجل تشخيص وضعية البحث العلمي بهذه المؤسسة.

يعود النشاط الأول إلى تاريخ 20 نونبر 2025، وقد نظمه، بمبادرة مستقلة، طلبة نادي الدراسات التاريخية والتراث الثقافي بإشراف أحد أساتذة شعبة التاريخ والحضارة، وفقا لما تنص عليه التنظيمات الإدارية المعمول بها. يتعلق الأمر بدرس افتتاحي للموسم الجامعي ألقاه أستاذ من نفس الشعبة تحت عنوان: “جدوى التاريخ وصنعة المؤرخ”. وقد تولى طلبة النادي جميع الترتيبات الأولية والاستعدادات اللازمة لإنجاح اللقاء، كما ساهموا بفعالية في تأطير مجريات هذا النشاط العلمي الذي حضره ما لا يقل عن خمسين طالبا ومهتما. سارت أطواره في أجواء تسودها الجدية والانضباط، وهما الشرطين الأساسيين في عملية التحصيل العلمي، إلى أن تدفقت بشكل مفاجئ مجموعة من منتسبي الحركة الطلابية على القاعة في محاولة لنسف النشاط الذي كان قد بلغ منتصفه. وبعد سجال وجدال استمر حوالي 40 دقيقة انصرف هؤلاء ليفتح المجال من جديد لإتمام مداخلة الأستاذ المحاضر ونقاش علمي رصين عقب ذلك. إن الغاية الرئيسية من التذكير بحيثيات هذا اليوم الدراسي لا تكمن في وصف الحادثة في حد ذاتها، بقدر ما تتمثل أساسا في الغياب التام لممثلي المؤسسة، سواء قبل انطلاق النشاط، أو أثناءه أو بعده، على الرغم من كونه يرقى إلى مستويات الدروس الافتتاحية التي تحتضنها أكاديمية المملكة وأهم معاهد البحث التاريخي والجامعات المغربية. غياب لا تبرره أية أعذار، كما لا يمكن تفسير انعدام أي شكل من أشكال الدعم المعنوي والمادي إلا عبر لامبالاة وعدم وعي الساهرين على شؤون المؤسسة بأهمية المبادرة، معبرين بذلك أن مثل هذه الأنشطة لا تندرج في أولوياتهم ولا تستدعي أي التفاتة من جانبهم. أيعقل أن الشاي والقهوة وقنينات الماء التي قدمت للحضور، والدرع التذكاري الذي تسلمه الأستاذ المحاضر وغيرها من الأدوات بسيطة، تم اقتناؤها من خلال جمع مساهمات وتبرعات مادية لطلبة النادي ؟ الأدهى من ذلك، أن إحساسا عاما بانعدام الأمن وبحالة من الفوضى خيم على قاعة المحاضرات خلال فترة التوقف التي عرفها اللقاء، في ظل غياب كلي لأي تدخل من طرف مسؤولي إدارة الكلية.

أما المناسبة الثانية فترتبط بالندوة الدولية التي أقيمت بقاعة العميد محمد الكتاني ما بين 4 – 5 دجنبر 2025، تحت عنوان La Maurétanie tigitane dans l’Antiquité tardive : nouveautés et défis، ساهم في أشغالها نخبة من علماء الآثار والمتخصصين المغاربة (من معهد الآثار والتراث بالرباط، المؤسسة الوطنية للمتاحف، عدد من الجامعات المغربية، …) والأوربيين (إسبان، فرنسيين، ألمان وإنجليز). هذا اللقاء الذي كان مجرد القيام ببحث أولي في محرك غوغل قصد التعرف عن المهام التي يشغلها والمراكز التي يمثلها المشاركون فيه كافيا حتى يستشعر القائمون على تدبير الشأن العام بالكلية، خاصة في شقه المرتبط بالبحث العلمي، أهمية اللقاء وبذل قصارى جهدهم لإنجاحه وفتح آفاق مستقبلية عبر توقيع شراكات واتفاقيات تعاون من شأنها تطوير البحث العلمي بالمؤسسة والرفع من مستويات الطلبة والباحثين بها. غير أن شيئا من ذلك لم يحدث، وكأن الندوة حلت ضيفا ثقيلا عليهم وغير مرحب به. رغم الأهمية البالغة للموضوع المتناول سواء في تطورات تاريخ المغرب أو في تشكل شخصية الإنسان المغربي، لم تساهم إدارة الكلية في تغطية مصاريف هذا النشاط العلمي، الذي تتسابق على تنظيمه العديد من الجامعات والمعاهد الوطنية، وبعد جهد جهيد ومفاوضات مراتونية، إلا بقدر يسير. لم تتم تغطية مصاريفه لا من الميزانية المخصصة للشعبة المحتضنة له، وهي ميزانية أصبحت منذ أزيد من خمس سنوات مجرد حبر على ورق، ومطبوع معد للتعبئة بمثابة قرص مهدئ لا يزال رؤساء الشعب يتوصلون به ؟، ولا من غيرها من الميزانيات التي تصرف بالكلية أو برئاسة الجامعة. الجميع، هنا وهناك، بدا وكأنه ينتظر نهاية الحدث كانتظار شيخ عجوز مرور العاصفة دون أدنى ردة فعل أو تدخل. منهم من تأسف وتحسر مدعيا انعدام الإمكانيات المادية، ومنهم من طالب الأستاذ الذي تبنى مشروع تنظيم الندوة بعد موافقة أساتذة الشعبة التي ينتمي إليها وبعد تلقيه وسماعه لوعود وتشجيعات جاءت على لسان أعلى الهيئات بالجامعة، بالتصرف والاجتهاد إن من ماله الخاص أو عبر تواصله مع جهات خارجية أو إلخ. حتى قنينات الماء لم تكن متوفرة بالقدر الكافي، فما بالك بحاجيات أخرى. كي لا نسترسل كثيرا في تفاصيل هذا المشهد البئيس، نؤكد أن كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان عجزت في توفير مبلغ لا يتعدى 30 ألف درهم لتنظيم لقاء علمي دولي، وتركت الأستاذ المنظم وحيدا ما بين هاجس ضمان حسن سير الندوة وسؤال إمكانية وجدوى المساهمة في تطوير وتجويد البحث العلمي بالكلية.

يتضح من خلال هذين المثالين، أن كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان، والجامعة الوصية، فشلت في احتضان النشاطين الأول والثاني. وهو الأمر الذي يسمح لنا باستخلاص فكرة مفادها أن البحث العلمي بها مجرد شعارات وخطابات لا تتماشى مع تطلعات الأساتذة ولا الطلبة. ويبدو جليا من خلال هذين المثالين -الأمثلة ومظاهر التدني لا يمكن حصرها في هذا المقام- أن مسألة البحث العلمي عرفت تراجعا خطيرا إذ أنها لم تعد مدرجة في اهتمامات الساهرين على المؤسسة، وأن هواجسهم انحصرت في معالجة قضايا أخرى، دون اكتراث حقيقي بمستوى تكوين الطالب ولا بتنوع وتميز المنتوج الذي يقدم إليه ولا بحجم معاناة ثلة من الأساتذة الجامعيين.

إقرأ الخبر من مصدره