عبد القادر بريهما
اعتقال نيكولاس مادورو، كما جرى تداوله وتأكيده في سياق التحولات المتسارعة، لا يمثل مجرد نهاية شخصية لرئيس، بل يجسّد مآل الأنظمة الشمولية التي تبني استمرارها على القمع، والعزلة، وتصدير الأزمات إلى الخارج. ما وقع في فنزويلا يثبت مرة أخرى أن الحكم القائم على الشعارات الإيديولوجية والتحالفات المعادية للاستقرار الإقليمي لا يصمد أمام فقدان الشرعية الداخلية وتغير موازين القوى الدولية.
هذا التطور ينعكس بشكل مباشر على جبهة البوليساريو، التي جعلت من نظام مادورو أحد أهم داعميها خارج الإقليم. فالعلاقة بين الطرفين لم تكن يومًا قائمة على أسس قانونية أو إنسانية، بل على منطق الاصطفاف السياسي ضد المغرب. ومع سقوط هذا الداعم، تفقد الجبهة سندًا سياسيًا ومعنويًا مهمًا، ما يسرّع من عزلتها ويكشف هشاشة مشروعها القائم أساسًا على الدعم الخارجي.
الاعتماد المزمن للبوليساريو على أنظمة شمولية ومعزولة كان خطأً استراتيجيًا قاتلًا. فكل نظام يسقط أو يتراجع نفوذه يترك “القيادة” القبلية العنصرية المجرمة أكثر انكشافًا، ويؤكد أنها ليست حركة تحرر كما تدعي، بل أداة ضمن صراعات إقليمية ودولية لا تخدم ساكنة الصحراء ولا مستقبل المنطقة. وما يجري اليوم يضع قيادتها أمام واقع سياسي جديد لا يمكن تجاهله.
في هذا السياق، لا يمكن فصل وضع البوليساريو عن ارتباك النظام الجزائري، باعتباره الداعم والراعي الرئيسي لها، فسقوط حليف بحجم مادورو يبعث برسالة واضحة مفادها أن شبكة التحالفات المبنية على العداء للمغرب وعلى منطق الحرب الباردة آخذة في التفكك، وأن الرهان على أنظمة مأزومة لم يعد يوفر الحماية ولا النفوذ الذي كان يُعوَّل عليه.
لقد شكل النظام الجزائري، منذ أكثر من خمسين سنة، عنصر توتر دائم في شمال إفريقيا، عبر افتعال الصراع مع المغرب، وتعطيل الاتحاد المغاربي، واستنزاف موارده في معارك دبلوماسية وعسكرية خاسرة بدل توجيهها للتنمية والاستقرار. هذا النهج لم يحقق للجزائر مكانة إقليمية حقيقية، بل عمّق عزلتها وأضر بمصالح شعوب المنطقة.
في المقابل، يواصل المغرب ترسيخ موقعه بثبات وواقعية، عبر مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الحل الجدي والموثوق، والتنمية الميدانية في أقاليمه الجنوبية، والدبلوماسية الهادئة التي راكمت دعمًا دوليًا متزايدًا واعترافات وازنة. هذا المسار جعل خصوم وحدته الترابية يفقدون أوراقهم تباعًا مع كل تحول دولي جديد.
إن تأثر البوليساريو بسقوط داعميها ليس ظرفيًا، بل بنيويًا، لأن مشروعها قائم على الرهان الخارجي لا على الشرعية الشعبية أو الحلول الواقعية. وكلما تآكل هذا الرهان، اقتربت لحظة الحقيقة: لا مستقبل لكيان انفصالي خارج منطق التسوية الأممية، ولا حل خارج السيادة المغربية.
ما يحدث اليوم ينبغي أن يُقرأ كرسالة تحذير لا كشماتة، ونصيحة صادقة لكل قيادة ما زالت تراهن على العداء وصناعة الأزمات، وتوظيف جبهة البوليساريو كأداة في صراع إقليمي خاسر. فما وقع في فنزويلا يمكن أن يتكرر حيثما تجتمع المؤشرات نفسها: انسداد سياسي، عزلة دولية، إنهاك اقتصادي، وربط مصير الدولة برهانات خارجية وجبهات تعيش على الوهم. وعلى القيادة الجزائرية أن تدرك أن التعقل لم يعد خيارًا مؤجلًا، وأن الخطوة الأولى نحو الاستقرار تمر عبر الانخراط الجاد في منطق المنتظم الدولي، وفي مقدمته مشروع الحكم الذاتي الذي اعتبره مجلس الأمن حلًا واقعيًا وذا مصداقية، لأن القبول بحل واقعي يضمن السلم والاستقرار، ولو لم يحقق كل الأوهام، يبقى أفضل من الاستمرار في نزاع لا يورث إلا الخسارة للجميع. وكما يقول المثل الحساني: “النص مع لهنا زاكي”، أي إن الاكتفاء بأنصاف الحلول في ظل الهناء والسلم خير من لا شيء بعد الانهيار..