عبد المغيث االهبوجي
في ظل الاجتياح الرقمي الذي يشهده واقعنا اليوم، تبرز مقولة “حرفة بوك لا يغلبوك” كواجهة لنمط من الوعي الذي قد يكرس “التفاهة” بالوراثة. حين يمارس الأب أو الام الرتابة ويخضع لها الابن ـ الابنة، نجد أنفسنا أمام مصنع لإنتاج واقع اجتماعي يتسم بالجمود والفقر الإبداعي.
فكيف يمكن للفن، بوصفه تجربة اجتماعية أصيلة، أن يكون هو الأداة لكسر هذا الطوق؟
الفن.. ضرورة وجودية لا ترفاً فكرياً
إن عمر الفن هو عمر الإنسان ذاته؛ فحيثما وجدت الذات الإنسانية، وجد الأثر الجمالي.
ليس الفن مجرد لوحة معلقة أو معزوفة عابرة، بل هو فعل أنسنة للممارسات اليومية، وهذا ما جعل الانسان يراكم عبر التاريخ تجربة فنية مكنته من الحفاظ على وجوده، بدءاً من رسوم الكهوف وصناعة أدوات الصيد، وصولاً إلى زخرفة العمران وتصميم التكنولوجيا الحديثة.
إن الفن من هذا المنطلق هو القوة التي تحول الشيء العادي إلى إبداع يمنحه قيمة ومعنى.
الهروب من الرتابة القاتلة
يُعلمنا التحليل النفسي والاجتماعي أن الفن هو القناة التي نهذب من خلالها نزعاتنا العدوانية. إنه الوسيلة التي نبرهن بها على ذواتنا أمام عقل منغلق يخشى التحرر. هذا الانغلاق هو ما يجعل الفرد يكتفي ببيولوجيا البقاء (أكل، شرب، غريزة)، وهي أفعال مكررة خالية من الروح، تنتج القبح بدلاً من الجمال.
وهنا نستحضر النموذج السقراطي؛ سقراط الذي كان “دميم الخلقة لكنه جميل الروح”، أثبت أن الفن خطاب وسلوك قبل أن يكون مظهراً.
نحن اليوم في أمس الحاجة لبديل عن قبح الممارسات التي غزت الفضاء العام، مثل ظواهر “روتيني اليومي” والتلصص على الخصوصيات، والتي تمثل انتكاسة جمالية وأخلاقية لا تليق بالكائن المبدع.
حراس “المعنى” ورقابة المجتمع
يطرح المقال سؤالاً جوهرياً:
ما مصدر هذا القبح في واقعنا؟ ولماذا يتوارى الجميل في تصرفاتنا؟
إن الوقوف غير المفهوم لـ “حراس الحلال والحرام” أمام أبواب الإبداع، دون استحضار لخصوصية العصر، يحول الطاقات البشرية إلى شحنات تدميرية بدلاً من أن تكون إبداعية. الإنسان المغربي اليوم يحتاج للموسيقى ليتناغم مع روحه، وللرسم ليخاطب الطبيعة، وللحرية ليحقق سلامه الداخلي.
إن إغلاق أبواب التعبير الجمالي في وجه الفرد لا ينتج إلا الانفجار أو الاحتراق الذاتي.
نحو جيل يمارس الفن لا يحفظه
إن التغيير المنشود لا يأتي بحفظ دروس جافة لعرضها على ورقة امتحان تقرر المصير، بل بممارسة الفن كنمط حياة.
نريد فرداً يلتقي بالكتاب في المكتبات، ويدرس الفنون التشكيلية ليفهم لغة الصمت في اللوحات، ويتعلم الموسيقى ليفصل نفسه عن ضجيج “المدعين”، ويمارس المسرح ليكتسب الجرأة على مواجهة الواقع.
ختاما:
الفن كعين ننظر بها للعالم
إن تحقيق متعة الجسد والروح عبر الكتابة، السينما، النحت، والسفر، هو السبيل الوحيد لخلق التوازن بين متطلبات الواقع ونوازع الذات. وكما يقول “شوبنهاور”: “الفنان هو من أعارنا عينه للنظر إلى العالم”.
إننا لا نريد “فناناً” بالمعنى الاستعراضي السطحي، بل نريد ذلك الفرد الذي يمتلك القدرة على تحريك ركود العقل، ويهدم بيت العادة القاتلة، ليبني مكانه صرحاً من الجمال والوعي.