من العقوبات إلى الاعتقال.. ماذا يعني التدخل الأمريكي المباشر في فنزويلا؟

Écrit par

dans

العمق المغربي

شكل الإعلان المفاجئ عن تنفيذ الولايات المتحدة لضربات جوية واسعة النطاق في فنزويلا، وما رافقه من أنباء حول اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو واقتياده خارج البلاد، منعطفا حاسما وغير مسبوق في مسار الأزمة الفنزويلية، حيث انتقلت واشنطن بشكل دراماتيكي من استراتيجية الحصار الاقتصادي والعقوبات الدبلوماسية إلى مرحلة التدخل العسكري المباشر واستهداف رأس الهرم السياسي، في خطوة أعادت خلط الأوراق الجيوسياسية في الفناء الخلفي للولايات المتحدة.

وأعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في تصريح نقلته وكالة الأنباء أسوشيتد برس (AP)، أن بلاده نفذت ضربات جوية واسعة النطاق على فنزويلا، في الساعات الأخيرة، مشيرا إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته واقتيادهما جوا إلى خارج البلاد.

ويطرح هذا التصعيد الخطير تساؤلات جوهرية حول مستقبل العلاقات الدولية ومفهوم السيادة الوطنية في ظل هذا النهج الأمريكي الجديد، إذ لا تقتصر تداعيات هذا الحدث على الداخل الفنزويلي فحسب، بل تمتد لتلامس عصب التوازنات الدولية، خاصة في ظل وجود قوى عظمى منافسة كروسيا والصين ترتبط بمصالح استراتيجية مع نظام كراكاس، مما يضع المنطقة والعالم أمام سيناريوهات مفتوحة على كل الاحتمالات، تتراوح بين تغيير النظام السياسي أو الانزلاق نحو فوضى شاملة.

ولقراءة أبعاد هذا الزلزال السياسي والعسكري، وفهم خلفيات القرار الأمريكي ومآلاته، توجهت جريدة “العمق” إلى الباحث في العلاقات الدولية، التونسي البشير الجويني، لمناقشة دلالات هذا التحول الجذري في العقيدة الخارجية لواشنطن من منظور القانون الدولي، واستشراف التداعيات الجيوسياسية المتوقعة لهذا التدخل.

وأكد المحلل السياسي التونسي، البشير الجويني أن ما شهدته فنزويلا صباح اليوم، والمتمثل في اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو، لا يمكن تصنيفه إلا باعتباره “بلطجة دولية” وضربة لما تبقى من قيم النظام الدولي والعلاقات الدولية في شكلها الحالي.

وأوضح أن هذا الحدث يأتي تنزيلا لاستراتيجية الأمن القومي الأمريكي الأخيرة التي صدرت في شهر دجنبر الماضي، والتي حملت إشارات واضحة تفيد بأن الشطر الغربي للكرة الأرضية، أي القارتين الأمريكيتين، أصبح يحتل الأولوية رقم واحد لدى الولايات المتحدة الأمريكية، متقدما بذلك في سلم الترتيب على الصين وروسيا وأوروبا والشرق الأوسط.

وأضاف الجويني أن هذه الأولوية الجديدة تأتي في تناغم تام مع شعار “أمريكا أولا” الذي يرفعه الرئيس دونالد ترامب وتدافع عنه حركة “ماغا”، وهو ما يمثل عودة إلى “مبدأ مونرو” الذي يعود لعام 1823، حين كانت أمريكا الشمالية تدافع عن أمريكا الجنوبية في مواجهة القوى الأوروبية الاستعمارية.

وأشار إلى أن استعادة هذا المبدأ في استراتيجية ترامب الجديدة تهدف بالأساس إلى تقوية وتأمين المجال الحيوي للولايات المتحدة، ومحاصرة القوى الخارجية المناوئة لها، وتحديدا الصين وروسيا اللتين تملكان أشكالا من الامتداد والنفوذ داخل القارة الأمريكية اللاتينية.

وبين المتحدث ذاته أن التحولات الحالية، سواء الدولية أو داخل الإدارة الأمريكية، تتسم بالسرعة والدراماتيكية، حيث كشفت استراتيجية الأمن القومي الحالية عن تغيير جذري في الأولويات مقارنة بالاستراتيجيات السابقة التي كانت تضع منطقة “الإندو-باسيفيك” ثم أوروبا والشرق الأوسط في المقدمة، بينما كانت أمريكا اللاتينية تأتي في مراتب متأخرة.

ولفت المتحدث إلى أن الاستراتيجيات السابقة كانت تركز على التعاون أو الاحتواء مع دول أمريكا اللاتينية، بينما النهج الحالي يركز على الهيمنة الأمنية المباشرة وتأمين المحيط الإقليمي.

واعتبر الباحث في العلاقات الدولية أن الهجوم على فنزويلا لن يكون حدثا منفصلا أو معزولا، بل هو جزء لا يتجزأ من هذه الاستراتيجية الجديدة ومن أولويات التوجهات الأمريكية في المنطقة المحيطة بفضائها الحيوي، مشددا على أن الهدف الرئيسي هو تأمين تقوية النفوذ الأمريكي ومحاصرة التمدد الصيني والروسي في المجال اللاتيني.

إقرأ الخبر من مصدره