عبد الحي السملالي
لم تعد محاكم التفتيش تُشعل النيران في الساحات، ولا تحتاج إلى قضاة أو محاضر عقائدية؛ بل تعود اليوم في صيغة أكثر «تحضّراً»: مذكرة إدارية، قارورة ماء ممنوعة، ومدير يراقب المراحيض باسم الحياد.
ما جرى في شركة النقل الباريسية (RATP) ليس حادثاً عرضياً ولا شططاً بيروقراطياً، بل علامة فاضحة على تحوّل خطير في جوهر اللائكية نفسه: من مبدأ يفصل الدولة عن الضمائر، إلى جهاز يفتّش في تلك الضمائر عبر أدق تفاصيل الحياة اليومية.
عندما تُصنَّف قارورة ماء كتهديد محتمل، ويُعاد تعريف الوضوء بوصفه «سلوكاً مشبوهاً»، فنحن لم نعد أمام نقاش حول الإسلام السياسي، بل أمام نظام اشتباه شامل يُحاسِب المواطن على نواياه قبل أفعاله، ويحوّل الممارسة الدينية البسيطة إلى قرينة إدانة. هنا، لا تُحارَب تنظيمات، بل تُفحَص الأجساد، ويُراقَب الزمن الروحي، وتُدار الحياة الخاصة بمنطق التفتيش.
لم يعد السؤال في فرنسا اليوم هو: كيف نحمي الجمهورية من المشاريع الأيديولوجية المغلقة؟ بل تحوّل إلى سؤال أكثر إزعاجاً: هل تتجه الدولة نحو إعادة إنتاج آليات محاكم التفتيش، لكن هذه المرة بثوب علماني؟ حيث تتحوّل الممارسات الدينية الاعتيادية إلى تهديد أمني، ويُستهدف المسلم العادي بجريرة تنظيم لا علاقة له به.
فمع كل توصية جديدة تصدر عن لجنة أو حزب أو وزير، يتكرر المشهد ذاته: إجراءات تمسّ الحجاب، والصيام، والجمعيات، والمساجد، وتُقدَّم بوصفها حرباً على «الانفصالية» أو «الإخوان»، بينما تضرب عملياً في عمق الحرية الدينية نفسها. وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح: هل المشكلة هي الإسلام السياسي؟ أم الإسلام حين يظهر في المجال العام؟
حين تتحوّل الحرية إلى امتياز قابل للسحب
يعرض التقرير الرسمي الأخير جملة من الإجراءات التي تستهدف مباشرة الحقوق الفردية والدينية، من بينها: منع الحجاب للقاصرات، ومنع الصيام، وإقصاء الأمهات المحجبات من الأنشطة المدرسية، وتشديد الرقابة على الجمعيات والمساجد، وتوسيع صلاحيات المحافظين، وممارسة رقابة عقائدية على المرشحين السياسيين.
هذه الإجراءات تشوبها ثلاث علل بنيوية:
1. انتهاك مبدأ الحرية: عبر تحويل الحق الدستوري إلى امتياز قابل للسحب.
2. استحالة التطبيق وفتح باب التعسف: فكيف تُراقَب عبادة شخصية كالصيام؟ وكيف يُحدَّد التدين «المقبول» إدارياً؟
3. النتائج العكسية: فهي تُغذّي الإحساس بالاستهداف وتُضعف الثقة في المؤسسات، وتمنح الخطابات المتطرفة ذريعة جاهزة.
الإعلام وصناعة الخوف
لم يكتفِ الخطاب الإعلامي بعرض هذه التوصيات، بل ساهم في شرعنتها عبر ربط التدين العادي بالتهديد الأمني، وترويج استطلاعات رأي تفتقر إلى الصرامة المنهجية، والخلط المتعمّد بين التدين الفردي والمشاريع السياسية المنظمة. وهكذا يُصنَع «رأي عام خائف» يُستعمل لتبرير سياسات التضييق، بدل ترسيخ الثقة والانتماء المشترك.
من الحرب المعلَنة إلى التفتيش اليومي
إذا كانت فرنسا ترى في تنظيمات الإسلام السياسي تهديداً حقيقياً، فالمواجهة تكون عبر تفكيك الشبكات، وضبط التمويل، والملاحقة القانونية الواضحة. أما اختزال المعركة في منع الصيام أو الحجاب أو التضييق على الجمعيات، فهو انتقال خطير من مواجهة تنظيمات إلى ملاحقة ممارسات شخصية، ومن محاربة أفعال إلى تفتيش في النوايا. هنا نصل إلى جوهر الإشكال: لسنا أمام سياسة أمنية فقط، بل أمام نمط جديد من التفتيش، لا يحتاج إلى قضاة ولا إلى محاكم، بل إلى إدارة، ومذكرة داخلية، وخطاب أخلاقي عن «القيم الجمهورية».
حرب القارورة: حين تكشف التفاصيل منطق السلطة
حادثة شركة النقل الباريسية (RATP) لحظة كاشفة في هذا المسار؛ مذكرة داخلية توصي بسحب قارورات المياه البلاستيكية من المراحيض لمنع الموظفين المسلمين من استعمالها في الوضوء. ما يبدو إجراءً «محايداً» هو في الحقيقة تفتيش صريح في الجسد والزمن الروحي، ومراقبة للتفاصيل اليومية التي لم تكن يوماً من شأن الدولة.
وفق منطق ميشيل فوكو، نحن أمام سلطة “بانوبتيكية” لا تحظر فقط، بل تُنتج الطاعة عبر المراقبة الدقيقة وتطبيع السلوك. ووفق تحذير مارتن هايدغر، نحن أمام إدارة تُفرغ الوجود الفردي من معناه، وتستبدله بصورة مجرّدة: «المواطن المُطَبَّع»، الخالي من أي تعبير وجودي مقلق.
العلمانية حين تنقلب على معناها
في أصلها، كانت اللائكية مشروعاً لتحرير الفرد من هيمنة الكنيسة، أما اليوم، وفي بعض تطبيقاتها، فإنها تتحوّل إلى سلطة جديدة تمارس الدور نفسه: تحديد المقبول والمرفوض، مراقبة السلوك، تنظيم الجسد، وضبط الزمن الروحي للأفراد. لم تعد الدولة تكتفي بالحياد، بل تفرض رؤية أحادية للفضاء العام، تُحوَّل فيها «القيم الجمهورية» إلى دين مدني إقصائي، له حرّاسه وآلياته التطبيعية.
خاتمة
ما يجري اليوم في فرنسا ليس دفاعاً عن الجمهورية، بل هو انزلاق نحو محاكم تفتيش علمانية، تُحاسِب المواطن على نواياه الدينية لا على أفعاله، وتُحوِّل اللائكية من مبدأ يحرّر إلى أداة تراقب وتُقصي.
إن معركة «القارورة» ليست تفصيلاً عابراً، بل هي اللحظة التي تخلت فيها اللائكية عن حيادها لتصبح عقيدة مراقبة، واللحظة التي لم تعد فيها الدولة تخشى على قيمها، بل باتت تخشى من حرية أفرادها؛ فهل نريد علمانية تحمي الفرد من السلطة، أم علمانية تمنح السلطة حق التفتيش في حياته اليومية… حتى في قارورة ماء؟