
محمد بنطلحة الدكالي
في زمن تُختزل فيه كرة القدم في النتائج والإحصاءات، وقع مشهد بسيط في مدرجات الملاعب أثناء كأس إفريقيا لكرة القدم المقامة ببلادنا، لكنه كان مفعمًا بالمعاني السامية. مشجع من الكونغو الديمقراطية ظل واقفًا طيلة زمن المقابلة، رافعًا يده دون حركة، في صمت كامل لا هتاف فيه ولا استفزاز. لم يكن يبحث عن لفت الانتباه ولا عن إثارة الجدل، بل عن تخليد رمز من رموز الاستقلال والكرامة الإفريقية، الشهيد باتريس لومومبا (Patrice Lumumba). بهذا الفعل الصامت تحولت المدرجات من فضاء للضجيج والانفعال إلى مساحة للذاكرة، وتحول المشجع من مجرد مستهلك للفرجة إلى حامل لمعنى عميق.
باتريس لومومبا ليس اسمًا تاريخيًا عابرًا، بل ضمير إفريقي حي يمثل مرحلة التحرر ورفض الوصاية والدفاع عن السيادة. اغتياله لم يُنهِ حضوره، بل رسخه في الوعي الجمعي بوصفه رمزًا للكرامة وثمن الاستقلال. لذلك فإن استحضار اسمه داخل مباراة كرة قدم لا يدخل في باب الاستفزاز ولا في إطار التوظيف السياسي الضيق، بل يندرج ضمن الحق في الذاكرة واحترام الرموز المؤسسة لهوية الشعوب. ما قام به المشجع الكونغولي كان فعلًا نبيلًا، منضبطًا وسلميًا، لا يحمل أي إساءة لا لخصم ولا لجمهور ولا للعبة نفسها.
غير أن هذا المشهد الراقي شُوِّه بتصرف لاعب جزائري تقدم نحو المشجع وقام بحركة لا أخلاقية ساخرة. لم يكن ذلك مجرد خطأ لحظي، بل سلوكًا يمس جوهر القيم الرياضية. فالرياضة، مهما اشتدت المنافسة، تبقى محكومة بقواعد أخلاقية واضحة، في مقدمتها احترام الجمهور وعدم استفزازه أو السخرية من رموزه. هذا النوع من الأفعال يندرج ضمن السلوك غير الرياضي المُجَرَّم في القوانين التأديبية المعمول بها، باعتباره استفزازًا وإيماءة مسيئة تتنافى مع مبادئ اللعب النظيف، وقد يعرّض صاحبه لعقوبات انضباطية تتراوح بين الإنذار والطرد والغرامة، وفق تقدير الهيئات المختصة.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
المقارنة بين المشهدين كاشفة. من جهة، مشجع صامت أعاد للمدرج بُعده الإنساني والتاريخي، ومن جهة أخرى لاعب متسرع أهدر هذا المعنى بحركة طائشة. الأول عبّر عن انتمائه وذاكرته باحترام، والثاني نسي أن القميص الذي يرتديه لا يمثل فردًا معزولًا، بل فريقًا وجمهورًا وبلدًا وقيم رياضة يُفترض أن تكون مدرسة في الأخلاق قبل أن تكون ساحة صراع.
ستمضي المباريات وتُنسى النتائج، لكن الأفعال الرمزية الصادقة تبقى في الذاكرة. سيظل ذلك المشجع الكونغولي مثالًا على أن الصمت قد يكون أبلغ من الهتاف، وأن المدرج يمكن أن يتحول إلى ذاكرة حية، وسيبقى اسم باتريس لومومبا حاضرًا كلما تذكرنا أن كرة القدم، حين تحترم ذاتها، تكون فضاءً للكرامة والمعنى قبل أن تكون مجرد سباق نحو الأهداف.