العرب واكتشاف أمريكا » .. باحث مغربي يفكك « سردية العالم الجديد

محمد عبد المومن

يأتي كتاب “العرب واكتشاف أمريكا” للباحث المغربي عبد السلام الجعماطي في سياق علمي ومعرفي متجدد، يسعى إلى إعادة مساءلة السرديات التقليدية لاكتشاف العالم الجديد، من خلال مقاربة تاريخية نقدية تعيد الاعتبار للمصادر العربية والإسلامية، وتفحص موقعها الحقيقي ضمن تاريخ الاكتشافات الجغرافية السابقة والمعاصرة لرحلة كريستوف كولومبس. ويندرج هذا العمل ضمن الجهود الأكاديمية التي تروم تفكيك مركزية الرواية الأوروبية، وتجاوز الأحادية التفسيرية التي طالما اختزلت اكتشاف أمريكا في المبادرة الأوروبية وحدها، مع إبراز التداخل الحضاري والمعرفي الذي أسهم في تشكل المعرفة الجغرافية بالعالم منذ العصور الوسطى.

صدر هذا الكتاب ضمن سلسلة “كتاب المجلة العربية”، في حجم متوسط (96 صفحة)، وهذا يعكس توجه السلسلة نحو تقديم دراسات تركيبية تجمع بين الدقة الأكاديمية وإمكانية التداول الواسع. وتعد هذه السلسلة من المنابر الثقافية التي تسعى إلى نشر أبحاث رصينة في التاريخ والحضارة والفكر، موجهة إلى الباحثين والمهتمين بقضايا التاريخ العربي والإسلامي.

ينطلق المؤلف من إشكالية مركزية مفادها: إلى أي حد أسهم العرب والمسلمون، معرفيًّا أو عمليًّا، في التمهيد لاكتشاف العالم الجديد؟ وكيف عكست المدونات العربية، الجغرافية والتاريخية والرحلية، وعيًا مبكرًا بوجود أراضٍ معمورة وراء المحيط الأطلسي؟ وهل يمكن الحديث عن حضور عربي -إسلامي مباشر أو غير مباشر في مسار الاكتشافات، سواء عبر المبادرات الاستكشافية، أو من خلال التراكم العلمي في مجالات الجغرافيا والفلك والملاحة؟

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

وللإجابة عن هذه الأسئلة، يعتمد الباحث على قراءة تحليلية نقدية لمتون عربية متنوعة، تشمل مؤلفات الجغرافيين والمؤرخين والرحالة، إلى جانب الاستئناس بالمصادر الأوروبية، بما يسمح ببناء رؤية تركيبية تتجاوز الطرح التقريري أو الدفاعي، وتقوم بدل ذلك على مساءلة النصوص، وفحص السياقات، ومقارنة التمثلات المتبادلة للعالم والآخر.

يتوزع الكتاب على خمسة فصول مترابطة تشكل بنية تحليلية متماسكة. يعالج الفصل الأول معرفة المؤرخين والجغرافيين العرب بالعالم الجديد قبل كولومبوس، من خلال تتبع التصورات الكوسموغرافية العربية، والإشارات المتكررة إلى “بحر الظلمات”، وإمكان الاتصال بين أطراف المعمور، سواء في الأدبيات الجغرافية أو في الخرائط الإسلامية الوسيطية. ويبرز المؤلف في هذا السياق أن هذه التصورات لم تكن محض تخمينات أسطورية، بل ارتبطت برؤية علمية للعالم قائمة على فكرة اتصال اليابسة وإمكان العبور البحري.

أما الفصل الثاني فيتناول مظاهر الحضور العربي-الإسلامي في اكتشاف العالم الجديد خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، مسلطًا الضوء على أدوار البحارة الأندلسيين والمورسكيين والمسلمين الذين شاركوا، غالبًا في وضعيات هامشية أو قسرية، في الرحلات الاستكشافية الأوروبية. ويكشف المؤلف هنا عن آليات طمس الهوية، وتغيير الأسماء، والصمت الأرشيفي الذي رافق هذا الحضور، خصوصًا في الوثائق الاستعمارية ومحاضر محاكم التفتيش.

ويقف الفصل الثالث عند الإرهاصات الأولى لظهور اسم سكان أمريكا في المدونات العربية، كاشفًا عن دينامية التسمية وتحول المصطلحات، بين “الهنود”، و”الهند الغربية”، و”العالم الجديد”، قبل أن يستقر اسم “أمريكا” في زمن متأخر. ويبرز هذا الفصل كيف تفاعلت الكتابة العربية مع الاكتشاف، ليس فقط بوصفه حدثًا جغرافيًّا، بل باعتباره ظاهرة ثقافية ومعرفية أعادت تشكيل تصور العالم.

في حين يعالج الفصل الرابع بوادر اهتمام دول الغرب الإسلامي، خاصة المغرب وبلاد السودان الغربي، بمشاريع العبور الأطلسي والاستكشاف، من خلال مبادرات سلطانية موثقة في المصادر التاريخية، مثل رحلات ملوك مالي، أو محاولات السلاطين المرينيين، بما يبرز أن الأطلسي لم يكن فضاء أوروبيًّا خالصًا، بل مجالًا للتنافس والاهتمام المشترك.

ويُختتم البناء التحليلي بفصل خامس يناقش النزعة العجائبية في روايات اكتشاف أمريكا، مبرزًا تداخل الواقعي والمتخيل في الكتابات الجغرافية والرحلية، ودور الخيال في سد فراغ المعرفة، دون أن ينفي ذلك وجود معطيات واقعية قابلة للتحقق والمقارنة.

يتميز الكتاب بمنهجه النقدي المقارن، وبحرصه على تجاوز الصمت الأرشيفي والانقطاعات المعرفية، كما يقدم إسهامًا مهمًّا في تاريخ الجغرافيا والاكتشافات، وفي دراسات الذاكرة التاريخية العابرة للثقافات. وهو بذلك لا يندرج ضمن خطاب المبالغة أو الادعاء، بل يسعى إلى إعادة إدماج المصادر العربية في النقاش العلمي العالمي حول الكشوفات الجغرافية، على أساس التراكم المعرفي والمقارنة النقدية.

وبذلك يشكل كتاب “العرب واكتشاف أمريكا” إضافة نوعية للمكتبة التاريخية العربية، ومرجعًا مهمًّا للباحثين في تاريخ الكشوفات الجغرافية، والتاريخ الأطلسي، والعلاقات الحضارية، وتاريخ المعرفة الجغرافية في العالمين الإسلامي والأوروبي، كما يفتح آفاقًا جديدة لإعادة التفكير في موقع العالم الإسلامي ضمن التاريخ الكوني.

إقرأ الخبر من مصدره