الخط : A- A+
===
في العديد من المرات، تصرّف «الرئيسان» أخنوش (رئيس الحكومة ورئيس الحزب)، كما لو أن السياسة صارت طوع تأويله: هيمنة مطلقة على المؤسسات المنتخبة والتدبيرية، وهيمنة مطلقة على التعيينات، لا سيما منها ذات الصلة بالدولة الاجتماعية، وتكريس انتهازية سياسية بعنوان كبير هو تضارب المصالح.
تجاوزات كلامية تُنسب له ولأصحابه، وهجومات على مؤسسات الحكامة، والزجّ بشخص جلالة الملك في حروبه معها، كما هو حال بعض التصريحات الصادرة عن محيطه السياسي.
===
لم يحصل من قبل أن أعلن رئيس حكومة مغربي، وزعيم حزب، عن نيته عدم مواصلة مسيرته على رأس منظمته السياسية، والحكومة ما زالت في سنتها الأخيرة. بل يمكن أن نقول إن السنة الأخيرة من الولاية الحكومية عادة ما تكون مناسبة لإعطاء الأولوية للمعركة الانتخابية، التي تستوجب حضور المسؤول الأول عن الحزب وعن الجهاز التنفيذي، ولا سيما إذا كانت المعركة بعد شهور قليلة، كما هو حال سنتنا الانتخابية هذه.
نضيف إلى ما سبق أن الجميع، ممن كانوا يتابعون حركية رئيس الحكومة في دقائقها، كانوا يستشفون من تنقلات السيد عزيز أخنوش عبر التراب الوطني، الذي يعمل ويتحرك طولا وعرضا في البلاد، أنه يفعل ذلك من أجل أن يثبت شعبيته الكبرى في البلاد، ويثبت انتشار حزبه على طول الخريطة، ويثبت بأنه ما زال في نيته العودة إلى الحلبة، مستقيًا بتجمعاته الضخمة التي يتباهى أنصاره بأنها تجمع الآلاف من المغاربة.
ولم يكن خافيا أن رسالة التجمعات التي عقدها رئيس التجمع كانت تقول إن الحملات ضده، ومعارضته في الشارع، وفي الوسائط الاجتماعية، وفي الكواليس، وفي مراكز السلطة والثروة، وفي مناطق الظل كما في مناطق الضوء، لم تنل منه.
وليس سرًّا أنه كان يلمّح بأنه سيكون الأول في الاستحقاقات القادمة، متقدما الآخرين… كل الآخرين!
ولعل المغاربة ما زالوا يذكرون ما قيل خلال جامعة الشباب الأحرار بأكادير في شتنبر الماضي، من تصريحات توحي بالحسم المبكر في نتائج انتخابات 2026.
والذين تابعوا كذلك الطريقة التي تعامل بها رئيس الحكومة مع الغضب الذي تحرك من الوسائط الاجتماعية ووصل إلى الشارع بقيادة حركة جيل «زيد..»، سيحتفظون في أذهانهم بإصرار رئيس الحكومة على الدفاع عن بقائه في قلب المعادلة السياسية. بل إن العارفين يذكرون كيف حرّك شبكات التواصل المرتبطة به للدفاع عن استمراريته، والتبشير بنجاحه، واعتبار كل ما وقع مجرد مظهر من مظاهر «الغيرة»، والعمل ضده، ومحاولة تقويض نجاحه الباهر.
لهذا فإن ما حصل مع أخنوش لا يحتاج إلى كثير تخمين أو تنجيم لإدراك أن السيد رئيس الحكومة كان يعمل من أجل الاستمرار على رأس الحزب، ثم على رأس الحكومة.
ومن هذا المنطلق، فإن الإعلان عن الانسحاب وعدم الترشح لولاية ثالثة على رأس حزب قضى عقدا من الزمن في قيادته، لا يتوافق مع معنى تحركاته، ولا يسير في اتجاه فعله السياسي المتواتر في الشهور الأخيرة.
وبالتالي فإن القرار يسير عكس ما كان يقوم به ميدانيا.
وإذا أضفنا أنه ترأس أشغال المجلس الوطني للتجمع (وهو أعلى هيئة تقريرية لحزب التجمع الوطني للأحرار في الفترات الفاصلة بين دورات المؤتمر الوطني، ويرأس اجتماعاته رئيس الحزب)، دون نية الإعداد لأشغال المؤتمر الذي وصل تاريخه حسب قانون الأحزاب، ندرك كذلك أن قرار عدم الترشح جاء خارج السياق، وضد التوجه العام الذي كان يملي على رئيس الحكومة تصرفاته.
وبناء على هذا التحليل، فإن التبرير الرسمي المقدم، بكونه اختار احترام المنهجية الديمقراطية داخل حزبه وفي المشهد السياسي، لا يقدّم ولا يؤخّر في واقع الأمر، بل إن المنطق يقتضي البحث في وقائع سبقت قرار أخنوش لإلقاء الضوء على ما تلاها.
التفسير الذي تقدم به أخنوش هو، على كل حال، معطى لا يجب إلغاؤه من المعادلة في ما يخص «الإخراج التنظيمي للخروج السياسي»… على الأقل!
في العديد من المرات، تصرف «الرئيسان» أخنوش (رئيس الحكومة ورئيس الحزب)، كما لو أن السياسة صارت طوع تأويله: هيمنة مطلقة على المؤسسات المنتخبة والتدبيرية، وهيمنة مطلقة على التعيينات، لا سيما منها ذات الصلة بالدولة الاجتماعية، وتكريس انتهازية سياسية بعنوان كبير هو تضارب المصالح.
تجاوزات كلامية تُنسب له ولأصحابه، وهجومات على مؤسسات الحكامة، والزجّ بشخص جلالة الملك في حروبه معها، كما هو حال بعض التصريحات الصادرة عن محيطه السياسي.
كل ذلك وضع الرجل في فوهة أكبر منه، لا سيما وأنه وجد نفسه على رأس التجمع الذي يعرف الجميع وظيفته السياسية المتوافق عليها منذ أيام المرحوم الحسن الثاني وصهره أحمد عصمان، الرئيس المؤسس.
لكن ذهاب عزيز أخنوش لا يمكن أن يمر دون أن يطرح أسئلة عميقة على الحقل السياسي، الواقعي والخيالي، ومنها:
– أية سيناريوهات لحزب التجمع الوطني للأحرار في الانتخابات وما بعدها؟
– وماذا سيفعل أيتام عزيز أخنوش في عالم السياسة والمال والأعمال والإعلام… إلخ إلخ إلخ؟