أقدام تحكي

Écrit par

dans

منير لكماني

تثور ضجة كلما خرج الحديث عن الكرة من حدود المتعة العابرة. ينهض بعضهم بصرامة الواعظ، كأن الإهتمام بالملاعب ترف لا يليق بواقع مثقل بالتحديات. يطلبون من الناس أن ينظروا في إتجاه واحد فقط، وأن يحبسوا أسئلتهم داخل موضوع واحد، وأن يصمتوا عن كل ما لا يشبه الهم اليومي المباشر. غير أن الحياة أوسع من سطر واحد، والإنسان لا يسكنه هم واحد، ولا يعيش على ضرورة واحدة. تتجاور في وجدانه الحاجة والفرح، العمل والراحة، الصرامة واللعب، والبحث عن معنى يخفف ثقل الأيام.

سوء فهم شائع

إختزال الكرة في صورة لهو فارغ يطمس حقيقتها المعاصرة. ما يحدث حول المستطيل الأخضر ليس مجرد جري وراء هدف، بل حركة إجتماعية كاملة. تتجمع أجيال مختلفة في فضاء واحد، تتبادل الكلمات والإشارات والرموز، وتتعلم، من حيث لا تشعر، فن العيش مع الإختلاف. هناك من يرى في اللون هوية، وفي الشعار ذاكرة، وفي الفوز عزاء، وفي الخسارة إختبارا للأخلاق. لهذا يصبح النقاش حول الكرة نقاشا حول الناس أنفسهم: طباعهم، غضبهم، أملهم، وحدود صبرهم.

إقتصاد خفي

خلف الأضواء وجوه لا تظهر في الصور. عامل يهيئ المدرجات، تقني يصلح الأعطال، بائع بسيط يقتات من يوم المباراة، ومدرب صغار يطارد موهبة قد تنقذ أسرة من ضيق العيش. تتحرك سلسلة طويلة من الأعمال والخدمات، وتتشكل حولها مداخيل وفرص. لهذا لا يحق لاحد أن يتعامل مع الكرة بوصفها شيئا هامشيا، لأن آثارها تمس جيوبا وبيوتا ومسارات شباب يبحثون عن باب يفتح.

المال العام ومسؤولية السؤال

حين تدخل الإستثمارات الكبرى إلى المجال الرياضي تتغير طبيعة الحديث. تصبح الميزانيات موضوعا عاما، وتغدو القرارات قابلة للنقاش. هنا يصير السؤال واجبا: أين تذهب الأموال؟ من يقرر؟ ما معايير الإختيار؟ وهل تحقق المشاريع أثرا يليق بحجم الإنفاق؟ النقد في هذه الحالة ليس تشهيرا ولا مزاجا عابرا، بل حماية لفكرة الإنصاف. من يتعلم مساءلة من يدبر الشأن الرياضي، يسهل عليه أن يطالب بالشفافية في مجالات أخرى، لأن العادة على السؤال تبني مواطنا لا يكتفي بالمشاهدة.

الملعب كمدرسة شعورية

في فضاء المباراة تتكثف المشاعر، وتظهر طبقات عميقة من السلوك الجمعي. الفرح يتحول إلى طاقة توحد غرباء، والحزن قد ينقلب إلى توتر يحتاج إلى حكمة كي لا يتجاوز حدوده. لذلك لا ينبغي التعامل مع الكرة كمساحة بلا أخلاق. العكس هو الصحيح: هي مناسبة لتربية الذوق العام، وضبط الإنفعال، وإحترام الخصم، وفهم أن الخسارة جزء من اللعبة والحياة معا. وحين تفشل المؤسسات في ضبط هذا الجانب، يتسع الباب للفوضى، ويضيع المعنى التربوي الذي يمكن أن تقدمه الرياضة.

صورة في عين العالم

لا تقف الكرة عند حدود المدرج. تتحول أحيانا إلى خطاب غير معلن، يقرأه الآخرون بعين السياسة والإعلام والسياحة. تنظيم بطولة أو بناء ملعب او ظهور منتخب في منافسة كبيرة قد يرفع الإنطباع العام، وقد يكشف إرتباكا في الإدارة والسلوك. لهذا تصبح التفاصيل مهمة: طريقة الإستقبال، جودة الخدمات، نزاهة القرارات، ولغة التواصل. كل خطأ صغير قد يتحول إلى قصة كبيرة، وكل نجاح منظم قد يفتح أبوابا لمصالح متعددة.

متنفس لا ينبغي احتقاره

لا تتوافر دائما مساحات فرح جماعية سهلة المنال، حيث يجتمع الناس على لحظة مشتركة من دون تعقيد ولا كلفة كبيرة. هنا تظهر الكرة كنافذة قصيرة، تلتقي عندها الوجوه المختلفة على بهجة واحدة، وتتحول الدقيقة الصغيرة إلى لغة يفهمها الجميع. هدف واحد قد ينعش حديث البيت، ويمنح الشاب دفعة أمل، ويعيد للحي نبضا كان خافتا. التقليل من قيمة هذا المتنفس لا يلغي الحاجة إليه، بل يدفعها إلى منافذ أقل صفاء، وربما أشد توترا. لذلك يستحق هذا الفرح أن يدار بحكمة، وأن يحمى من الإبتذال، وأن يبقى مساحة تريح الأعصاب من دون أن تعطل العقل.

ضمير المدرج

الحديث عن الكرة ليس هروبا من الواقع، بل طريق آخر لفهمه. هي مرآة تكشف علاقتنا بالمال، وبالادارة، وبالهوية، وبالغضب، وبالفرح. لذلك يستحق هذا المجال أن يكتب عنه بجدية، وان يراقب بعين مسؤولة، وأن يحمى من العبث. فهل نملك شجاعة تحويل التشجيع إلى سلوك راق؟ وهل نتعلم مطالبة القائمين على الشأن الرياضي بالوضوح كما نطالب غيرهم؟ ثم ماذا نريد من هذه اللعبة بالضبط: فرجة فقط، أم فرصة لبناء ذوق عام يحترم الناس ويصون كرامتهم؟

إقرأ الخبر من مصدره