كفاءات المرحلة

Écrit par

dans

منير لكماني

تمنحنا لحظات الفرح دروسا لا تمنحها الخطب مهما أطالت. أحيانا تكفي مباراة واحدة لتكشف معدن الإلتزام، وتكفي دمعة صادقة لتدل على ثقل المسؤولية من غير خطابة. حين رأينا أبناء الجاليات يرفعون الراية في كأس العالم بقطر سنة 2022 ويصلون إلى نصف النهائي، ثم يواصلون الدرب نفسه نحو نهائي كأس إفريقيا 2025، فهمنا أن الحكاية ليست كروية فقط. كان المشهد مرآة تسألنا بصوت واضح: إذا كانت الكفاءة تصنع الفارق تحت ضغط الملايين، فلماذا لا نتخيلها وهي تصنع الفارق أيضا في تدبير الشأن العام تحت ضغط الحياة اليومية؟

معنى الظاهرة

الحديث عن حكومة من أبناء المهجر ليس نزوة عابرة ولا استيرادا لوجوه جديدة من أجل الزينة. هو تعبير عن رغبة عامة في تغيير منطق التدبير: منطق يقيس ويحاسب ويصلح، بدل منطق يكتفي بالوعود. هذه الظاهرة تنمو كلما ارتفع الإحساس بأن الإدارة تحتاج نفسا جديدا، وبأن بعض المناصب صارت ثقيلة على الدولة وخفيفة على من يتولاها. لذلك يلتفت الناس إلى من عاشوا في بيئات عمل لا تسمح بالإرتجال، ولا تتسامح مع الغموض.

مدرسة الإنضباط

أبناء المهجر غالبا ما تربوا مهنيا داخل مؤسسات تربط القيمة بالنتيجة، وتربط المسؤولية بالسؤال: ماذا أنجزت؟ لا يكفي هناك أن تبدو منشغلا، بل يجب أن تكون نافعا. هذا النوع من التربية العملية يخلق سلوكا بسيطا لكنه ثمين: احترام الوقت، وضوح الهدف، كتابة الخطة، ثم مراجعة الأخطاء بلا حساسية. حين تنتقل هذه الروح إلى القرار العمومي، يتغير شكل الإدارة: تقل الكلمات، وتكثر الأوراق التقنية، وتتحول الإجتماعات من إستعراض إلى ورشة عمل.

الثقة رأسمال

يتطلع الناس إلى دولة تشبه بيتا راسخا: وقار في السلوك، صرامة عادلة في تطبيق القانون، إنصاف في المعاملة، ولين محسوب في تقديم الخدمة. لذلك لا تستقيم الإستعانة بأبناء المهجر إذا حضرت بنبرة فوقية أو بروح إستعراضية. إنما تنجح حين تعرض نفسها عملا لخدمة الناس لا سلطة عليهم، وحين تجعل كرامة المواطن معيارا لكل قرار. فالثقة لا تولد من السيرة المهنية وحدها، بل من أسلوب التعامل مع الناس: تواضع قريب، إصغاء صادق، والتزام واضح لا يلتبس.

شبكة بلا ضجيج

ميزة أبناء المهجر ليست الشهادات فقط، بل شبكة العلاقات المهنية التي تبنى عبر سنوات من العمل. من خبر الإستثمار والصناعة والتقنيات يعرف لغة الشراكات، ويقرأ العقود بوعي، ويميز بين وعد تسويقي ومشروع قابل للتنفيذ. هذه القدرة قد تختصر زمنا طويلا، وتفتح أبوابا لتمويل ومعرفة وتبادل خبرات، من دون حاجة إلى وسطاء يثقلون الطريق.

شرط الأمانة

لكن الظاهرة تحمل خطرا إن لم تحكمها قواعد صلبة. من جمع بين عالم الشركات وعالم القرار قد يختلط عليه الحد الفاصل بين المصلحة العامة والمنفعة الخاصة. لذلك لا بد من حد فاصل : كشف المصالح، منع التداخل، ومراقبة مستقلة تملك الجرأة على السؤال. هنا فقط يصبح القادم من الخارج قيمة مضافة، لا بوابة جديدة للشك. المجتمع المحافظ لا يطلب الملائكة، لكنه يطلب وضوحا يقطع الطريق على الالتباس.

جسر مع الداخل

لا معنى لحكومة تتشكل من خبرات مهاجرة ثم تصطدم بالواقع المحلي فتتعثر. المطلوب جسر حي مع الكفاءات الموجودة في الداخل: أطر الإدارة، الجامعات، المقاولات، والجمعيات الجادة. أبناء المهجر ينجحون حين يعتبرون أنفسهم جزءا من فريق واسع، وحين يأتون بفكرة التنظيم لا بفكرة الإستبدال. عندها يصبح إختلاف التجارب ثراء، لا صداما.

ميزان الواقع

الفكرة جذابة لأنها تلامس جرحا قديما: البحث عن مسؤول يشتغل كما يعمل الناس، ويخجل من التقصير كما يخجل رب البيت من تضييع الأمانة. لكن هل نملك الشجاعة لنربط المناصب بعقود أداء واضحة لا تترك مجالا للتهرب؟ هل نستطيع حماية القرار من المصالح المتشابكة مهما كان إسم صاحبه؟ وهل نريد دولة تكتفي بتفسير الإخفاق، أم دولة تتعلم وتصحح وتعتذر حين يلزم الإعتذار؟ ثم سؤال أخير يبقى في الذاكرة: إذا كانت الكفاءة قد عادت من الهجرة لتصنع الفرح في الملعب، فمتى نراها تعود لتصنع الطمأنينة في المدرسة والمستشفى والإدارة؟

إقرأ الخبر من مصدره