كفى إمعة… وطنوا أنفسكم: إن أحسن الأفارقة أحسنتم وإن أساؤوا فلا تظلموا!

Écrit par

dans

عبد الحي السملالي

في لحظة تاريخية احتضن فيها المغرب إحدى أعرق البطولات الإفريقية، لم تتجه الأنظار إلى المستطيل الأخضر فحسب، بل راقبت بدقة ما يعتمل في كواليس السياسة وأعماق النفس الإفريقية. فما شهدناه لم يكن مجرد تنافس رياضي عابر، بل اختباراً حقيقياً كشف هشاشة بعض التحالفات وعمق الفجوات الكامنة؛ إذ وضعتنا التجربة أمام حقيقة قاسية مفادها أن الجغرافيا السياسية اليوم تحكمها لغة المصالح الصارمة، بعيداً عن بريق الشعارات وعاطفة “الأخوة التاريخية” التي طالما ترددت في المحافل.

لقد تحولت الملاعب إلى مرآة عاكسة لتحولات جيوسياسية عميقة، حيث لم يشفع السخاء المغربي الممتد ودعمه المتواصل لعدد من الأشقاء في صدّ موجات التشفي والعداء التي تسللت إلى المدرجات ومنصات الإعلام. هذا التناقض الصارخ يفرض علينا إعلان نهاية عصر “المجاملة الأحادية”؛ فالدبلوماسية التي تأسست على العطاء غير المشروط اصطدمت بواقع يتعامل فيه البعض مع الكرم بوصفه حقاً مكتسباً أو نقطة ضعف قابلة للاستغلال. ومن هنا، تبرز ضرورة الانتقال إلى نموذج “الندية الحقيقية”، حيث يكون العطاء مقروناً بالاحترام، ويغدو التعاون رهيناً بالثبات على المواقف المبدئية.

إن هذا التحول لا يخص المغرب وحده، بل هو صرخة في وجه بعض الأشقاء في القارة للتحرر من عقلية “الانتظار” و“الابتزاز السياسي”. لقد آن الأوان لتجاوز الرؤية الضيقة التي تعيش على انتظار صدقات الآخرين أو استغلال قضاياهم العادلة للمساومة والارتزاق السياسي؛ فالسيادة الحقيقية تبدأ من عزة النفس والكرامة الوطنية. فالقارة لن تنهض ما دامت بعض نخبها تدير علاقاتها بمنطق الاستجداء وتقلب المواقف تبعاً للمصالح الظرفية، بينما الاحترام لا يُطلب بل يُنتزع حين يتحول الشريك من عقلية الاتكال إلى عقلية البناء المشترك، ومن موقع التابع إلى موقع الفاعل الواثق بذاته.

ويتجلى محك الاختبار الأوضح في قضية الصحراء المغربية، التي حاول البعض تحويلها إلى ورقة للمساومة، متناسين أن احترام الوحدة الترابية هو الأساس الذي تُبنى عليه الثقة. هذا التذبذب يفرض على المغرب إعادة ترتيب خارطة تحالفاته وفق معيار أخلاقي وسياسي صارم: الصديق هو من يقف مع قضايانا المصيرية، وما دون ذلك لا يعدو أن يكون شراكات ظرفية. وفي خضم هذا المخاض، يبرز الدرس الأهم؛ وهو أن الرهان الاستراتيجي الحقيقي يجب أن يكون على “الداخل”: تقوية الاقتصاد، وتحصين النسيج الاجتماعي، والارتقاء بالمواطن المغربي ليكون عزيزاً ومقتدراً، باعتبار ذلك السبيل الأنجع لفرض هيبة الوطن وصيانة مصالحه.

ختاماً، لم تكن كأس إفريقيا مجرد بطولة رياضية، بل كانت منعطفاً في الوعي الجمعي، صفع وهم “الأخوة الساذجة”، ودعانا إلى استحضار التوجيه النبوي الحاسم:

“لا تكونوا إمّعة… ولكن وطِّنوا أنفسكم؛ إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا فلا تظلموا.”

إن “توطين النفس” هنا إعلان استقلال كامل: أن نحسن لمن مدّ يد الإخاء الصادق، دون أن نكون رهائن لأمزجة المتقلبين. وإذا أساء البعض، فلا ننجرّ إلى الظلم أو المهاترات، بل نترفع بعزة النفس، ونرسم حدوداً واضحة بصرامة الندية. لقد آن الأوان لنكف عن دور “الإمّعة” في السياسة، وننتقل إلى “الفاعلية الاستراتيجية” القائمة على المصلحة الوطنية العليا وكرامة لا تقبل القسمة على اثنين. فالعلاقات الدولية ميدان للحسابات الدقيقة، ومن لا يملك قراره بيده، لا مكان له في معركة الوجود والتأثير.

إقرأ الخبر من مصدره