هبة بريس – متابعة
مرة أخرى، تسقط الشعارات الكبيرة عند أول اختبار مؤسساتي حقيقي، بعدما فشلت الجزائر في تمرير قانون تجريم الاستعمار الفرنسي، رغم الضجيج السياسي والإعلامي الذي رافق الإعلان عنه.
فبعد سنوات من المتاجرة بملف الذاكرة واستعماله كورقة ضغط ظرفية، جاءت لجنة الدفاع الوطني بمجلس الأمة لتفرغ المقترح من مضمونه، بتحفظها الصريح على البنود المتعلقة بالتعويض والاعتذار، وهي جوهر أي قانون يراد له أن يكون ذا معنى.
هذا التراجع يكشف بوضوح أن ما روج له لم يكن سوى استعراض سياسي موجه للاستهلاك الداخلي، ومحاولة لصرف الأنظار عن الأزمات الحقيقية التي تتخبط فيها البلاد، فلو كانت السلطة الجزائرية جادة في طي هذا الملف وفق مقاربة قانونية وسيادية، لما ترددت في الدفاع عن حق شعبها في الاعتذار والتعويض، بدل الاكتفاء بخطاب عاطفي سرعان ما يتبخر داخل دهاليز المؤسسات.
اللافت أن النظام الجزائري، الذي لا يفوت مناسبة لمهاجمة فرنسا في خطاباته الرسمية، يتراجع عمليا عندما يتعلق الأمر بخطوات ملموسة قد تربك حساباته السياسية والدبلوماسية.
هذا التناقض الصارخ يؤكد أن ملف الاستعمار يستعمل كورقة ابتزاز ظرفية، لا كقضية مبدئية تدار بثبات ومسؤولية، وهو ما أفقد الخطاب الجزائري مصداقيته داخليا وخارجيا.
ويعكس موقف لجنة الدفاع الوطني أيضا حدود الجرأة السياسية داخل مؤسسات يفترض أنها تمثل الإرادة الشعبية، لكنها تظل خاضعة لمنطق التعليمات والاصطفافات الضيقة، فبدل الدفاع عن مطالب تاريخية مشروعة، فضلت اللجنة الهروب إلى الأمام، خشية الاصطدام بحسابات معقدة، ما جعل القانون يولد منقوصا، إن لم يكن ميتا سياسيا قبل خروجه إلى العلن.
في المحصلة، يكرس هذا الفشل صورة نظام يجيد رفع الشعارات ولا يتقن تحويلها إلى قرارات شجاعة، و يتقن مهاجمة الخارج بينما يعجز عن حسم خياراته داخليا.
الجزائر، التي تدعي الدفاع عن الذاكرة والسيادة، تجد نفسها مرة أخرى أسيرة خطاب خشبي، ينهار كلما اقترب من الواقع، ويؤكد أن المشكلة ليست في الماضي الاستعماري فقط، بل في حاضر سياسي عاجز عن مواجهة الحقيقة.