الخط : A- A+
حسمت محكمة الاستئناف الإدارية بأكادير الجدل القانوني المرتبط بحدود حرية التصويت داخل المجالس المنتخبة، وذلك بإصدارها قراراً نهائياً يقضي بتجريد مستشارين جماعيين بمجلس جماعة آيت ملول من عضويتهما، ويتعلق الأمر بكل من (ع.م) و(آ.م)، على خلفية ما اعتبرته المحكمة تخلياً ضمنياً عن الانتماء السياسي الذي ترشحا باسمه، وهو حزب الاستقلال.
ويستند القرار القضائي، الصادر تحت رقم 121 بتاريخ 15 يناير 2026، الذي يتوفر موقع “برلمان.كوم” على نسخة منه، إلى مقتضيات القانون التنظيمي للأحزاب السياسية والقانون التنظيمي المتعلق بالجماعات، مؤكداً أن الانتماء الحزبي لا يقتصر على مرحلة التزكية الانتخابية، بل يشكل التزاماً سياسياً وقانونياً ممتداً طيلة مدة الانتداب.
تعود فصول النازلة إلى قرار اتخذه حزب الاستقلال على المستوى المحلي بتاريخ 27 شتنبر 2025، قضى بانتقاله من موقع المشاركة في تسيير مجلس جماعة آيت ملول إلى صفوف المعارضة. وفي أعقاب تصويت المستشارين (ع.م) و(آ.م) لصالح مشاريع تتعارض مع التوجه الحزبي، قام حزب الاستقلال برفع دعوى قضائية أمام محكمة الاستئناف الإدارية بأكادير للمطالبة بتجريدهما من عضويتهما، وهو ما استندت إليه المحكمة في بحثها القانوني واتخاذ قرارها النهائي.
ورغم تبليغهما بقرار الانتقال إلى صفوف المعارضة، أقدم المستشاران خلال دورة أكتوبر 2025 على التصويت لفائدة عدد من النقاط المدرجة في جدول أعمال المجلس، من بينها مشروع ميزانية سنة 2026 واتفاقيات مرتبطة بتدبير الشأن المحلي، في انسجام مع توجهات الأغلبية المسيرة، وهو ما اعتبره حزب الاستقلال إخلالاً صريحاً بالانضباط الحزبي.
وفي تعليلها للقرار، أكدت المحكمة أن التخلي عن الانتماء الحزبي لا يتحقق فقط من خلال الاستقالة المكتوبة أو التصريح العلني، بل قد يُستشف ضمنياً من خلال ممارسات وتصرفات سياسية وقانونية تتعارض بشكل واضح مع توجهات الحزب وقراراته الرسمية.
وشددت حيثيات الحكم على أن حرية التصويت المكفولة للمنتخبين ليست حرية مطلقة، بل تظل مقيدة بما وصفته المحكمة بـ”التعاقد المعنوي” القائم بين المنتخب والحزب الذي منحه التزكية، وكذا مع الناخبين الذين صوتوا عليه بناءً على برنامج سياسي محدد.
كما اعتبرت المحكمة وفق ما ورد في القرار، أن آلية التجريد تشكل أداة قانونية لتخليق الحياة السياسية ومحاربة ما يُعرف بظاهرة ”الترحال السياسي المقنّع”، وضمان الحد الأدنى من الانسجام داخل المجالس المنتخبة، سواء على مستوى الأغلبية أو المعارضة.
وفي ردها على دفوع المستشارين، ولاسيما تلك المرتبطة بادعاء عدم وضوح أو مجهولية المراسلات الحزبية، خلصت المحكمة إلى أن التوجه السياسي للحزب كان ثابتاً ومعلناً، وأن مسطرة التبليغ احترمت الضوابط القانونية، مما ينتفي معه أي لبس بشأن الموقف الحزبي الواجب الالتزام به.
كما اعتبرت المحكمة حسب ما ورد في القرار، أن التذرع بـ”المصلحة العامة” لا يبرر الخروج عن القرار الحزبي، مؤكدة أن ممارسة المعارضة من داخل المؤسسات المنتخبة تظل شكلاً مشروعاً من أشكال الدفاع عن الصالح العام، دون الحاجة إلى الاصطفاف مع الأغلبية ضد التوجه السياسي للحزب.
وبناءً على هذه المعطيات، قضت محكمة الاستئناف الإدارية، علنياً وانتهائياً وحضورياً، بقبول الاستئناف شكلاً، وإلغاء الحكم الابتدائي، والحكم تصدياً بتجريد المستشارين المعنيين من عضويتهما بمجلس جماعة آيت ملول، مع ما يترتب عن ذلك من آثار قانونية.
ويُنتظر أن يشكل هذا القرار مرجعاً قضائياً مهماً في تدبير النزاعات المرتبطة بالانضباط الحزبي، ويعزز توجهاً قضائياً يعتبر أن العمل الانتخابي لا ينفصل عن الالتزام السياسي الذي تأسس عليه التفويض الشعبي.