هبة بريس – عبد اللطيف بركة
يبدو أن الحوار الاجتماعي في المغرب يعيش واحدة من أكثر لحظاته ارتباكاً منذ سنوات، ليس فقط بسبب تأخر جولات التفاوض أو غياب انتظامها، بل لأن جوهره ذاته أصبح موضع مساءلة من طرف نقابات عمالية ترى أن هذا المسار لم يعد قادراً على استيعاب التحولات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة التي تمس حياة الأجراء بشكل مباشر.
فالانتقاد الموجه اليوم للحوار الاجتماعي لا يقتصر على الشكل، بل يطال المضمون، خاصة في ما يتعلق بطريقة تدبير الملفات الكبرى، وعلى رأسها إصلاح أنظمة التقاعد، حيث يُسجل رفض واضح لمنطق المقاربات المحاسباتية الضيقة التي تختزل الحقوق الاجتماعية في أرقام وتوازنات مالية، دون استحضار البعد الاجتماعي والإنساني لهذه الإصلاحات. هذا التوجه يعمّق، وفق النقابات العمالية، فجوة الثقة بين الشركاء الاجتماعيين، ويحول الحوار من آلية للتوافق إلى مجرد تمرين شكلي لتبرير قرارات جاهزة.
ويتقاطع هذا التعثر في الحوار مع سياق اجتماعي مأزوم، عنوانه الأبرز استمرار الغلاء وارتفاع كلفة المعيشة، في ظل تنامي مظاهر الاحتكار والمضاربة، وتراجع فعالية آليات حماية المستهلك، وهو ما يجعل المطالب المرتبطة بالزيادة في الأجور، والرفع من الحد الأدنى للأجر، وتحسين معاشات التقاعد، وتخفيف العبء الضريبي، ليست مجرد مطالب فئوية، بل تعبيراً عن اختلال عميق في توزيع كلفة الأزمات الاقتصادية، حيث تتحمل الفئات الشغيلة النصيب الأكبر من التداعيات.
وفي مقابل هذا الضغط الاجتماعي، تُسجّل النقابات العمالية ما تعتبره تضييقاً متزايداً على الحريات النقابية، خاصة بعد المصادقة على قوانين تؤطر الإضراب وتعيد تعريفه بشكل يُنظر إليه كمساس مباشر بأحد أبرز أدوات الدفاع عن الحقوق الاجتماعية. هذا التحول التشريعي لا يُقرأ فقط من زاوية قانونية، بل يُفهم أيضاً في سياق إعادة تشكيل موازين القوة داخل عالم الشغل، بما قد يُفضي إلى إضعاف التفاوض الجماعي لصالح منطق أحادي في اتخاذ القرار.
غير أن أزمة الحوار الاجتماعي لا تنفصل عن الإطار العام للسياسات العمومية، حيث تُتهم الحكومة بعدم الوفاء بالتزامات سابقة، خصوصاً ما يتعلق بإشراك النقابات في مناقشة مشاريع كبرى كقانون المالية، ما يجعل الكثير من الفاعلين يعتبرون أن الحوار بات يُستدعى فقط عند الحاجة لامتصاص التوتر، لا باعتباره ركيزة دائمة للحكامة الاجتماعية. وهو ما يفسر تنامي الإحساس بالإحباط والاحتقان داخل شرائح واسعة من المجتمع، نتيجة غياب تعاطٍ جدي مع التداعيات الاجتماعية للتعثرات الاقتصادية المركبة.
إن إعادة الاعتبار للحوار الاجتماعي لم تعد مسألة تقنية مرتبطة بجدولة الاجتماعات أو توقيع الاتفاقات، بل رهينة بإعادة بناء الثقة، وتوسيع أفق النقاش ليشمل اختيارات التنمية والعدالة الاجتماعية، لا الاكتفاء بتدبير الأزمات الظرفية. فدون حوار حقيقي قائم على التشاركية والالتزام المتبادل، يظل الاستقرار الاجتماعي هشاً، وتبقى كل الإصلاحات معرضة لفقدان مشروعيتها الاجتماعية مهما بدت متماسكة على الورق.