عبد الحي الصالح
لقد أصبحت الرياضة في العصر الحديث نشاطا اجتماعية وثقافية ذات تأثير واسع، تتجاوز كونها نشاطًا بدنيًا أو ترفيهيًا إلى كونها فضاءً يعكس منظومة القيم السائدة في المجتمع. وقد أظهرت بعض الأحداث المرتبطة بالمنافسات الرياضية، خاصة عقب نهائي كأس إفريقيا بالمغرب، مظاهر من التعصب والعنصرية والخروج عن القيم المغربية الأصيلة التي تقوم على التسامح والتعايش واحترام الآخر.
ومن ثم، تبرز التربية على القيم والروح الرياضية باعتبارها رهانًا تربويًا ملحًا لمواجهة هذه الظواهر، وبناء ثقافة رياضية قائمة على الاحترام وقبول الاختلاف، انسجامًا مع المبادئ الإسلامية والمرجعيات التربوية الحديثة، وهو ما أكده بلاغ الدين الملكي الذي أكد على الأخوة والتسامح التي عرفتها المنافسات الإفريقية والتي لن تؤثر فيها النزعات العنصرية الناتجة عن الأحداث المؤسفة التي عرفها نهائي المونديال الإفريقي.
القيم والروح الرياضية: مقاربة مفاهيمية وتربوية
تشير القيم إلى المعايير والمبادئ التي توجه السلوك الإنساني وتحدد ما يعد مرغوبًا أو مرفوضًا داخل المجتمع. أما الروح الرياضية فتشير إلى منظومة من السلوكيات الأخلاقية المرتبطة بالممارسة الرياضية، مثل احترام المنافس، الالتزام بالقواعد، تقبل الهزيمة، والتواضع عند الفوز (Shields & Bredemeier, 2009) .
وتؤكد الأدبيات التربوية أن الرياضة تمثل مجالًا غنيًا لترسيخ القيم ، من خلال التفاعل والتعاون والتنافس المنظم (Coakley, 2015).
وفي المنظور الإسلامي، ترتبط القيم بمفهوم الإحسان والعدل والتعارف الإنساني، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: 13)
التعصب والعنصرية في المجال الرياضي: مظاهر وأبعاد تربوية
شهد المجال الرياضي في السنوات الأخيرة تناميًا لخطابات التعصب والعنصرية، سواء في الملاعب أو في وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يتم توظيف الانتماء الوطني أو العرقي لإنتاج خطاب إقصائي. وتعود هذه الظواهر إلى عوامل متعددة، من بينها ضعف التربية القيمية، وتأثير الإعلام غير المنضبط، وتراجع دور المدرسة والأسرة في التنشئة.
وقد حذرت منظمات دولية من خطورة العنصرية في الرياضة، مؤكدة ضرورة اعتماد برامج تربوية لمواجهتها (UNESCO, 2017).ومن المنظور القرآني، يرفض الإسلام كل أشكال التمييز والعنصرية، ويؤكد قيمتي العدل والمساواة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ (المائدة: 8).
التربية على الروح الرياضية مدخلا لمواجهة التعصب والعنصرية
تشكل التربية على الروح الرياضية مدخلًا أساسيًا لبناء ثقافة التسامح وقبول الآخر، من خلال إدماج القيم الأخلاقية في الأنشطة الرياضية داخل المدرسة وخارجها. وتؤكد الدراسات التربوية أن البرامج الرياضية الموجهة يمكن أن تعزز التعاون، الاحترام المتبادل، والاندماج الاجتماعي (Shields & Bredemeier, 2009. ) ، وفي السياق الإسلامي، يشكل مفهوم الإحسان قاعدة أخلاقية للتعامل مع الآخر، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (النحل: 90). ومن هنا، يمكن تحويل المنافسة الرياضية إلى تجربة تربوية قائمة على القيم الإنسانية المشتركة، بدل أن تكون مجالًا لإنتاج التوتر والصراع.
المدرسة المغربية ورهان التربية على القيم الرياضية
تؤكد الوثائق المرجعية للإصلاح التربوي بالمغرب على مركزية التربية على القيم والمواطنة، حيث تنص الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015–2030 على ضرورة تنمية القيم الأخلاقية والسلوك المدني لدى المتعلمين (المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، 2015).
من أجل كل ما سبق نؤكد أن التربية على القيم والروح الرياضية تشكل رهانًا تربويًا حاسمًا لمواجهة التعصب والعنصرية في المجتمع المعاصر. وإذا كانت الرياضة تعكس أحيانًا مظاهر سلبية، فإنها تمتلك في الوقت ذاته إمكانات تربوية كبيرة يمكن توظيفها لبناء ثقافة التسامح وقبول الآخر، شريطة إدماجها ضمن مشروع تربوي متكامل يربط بين المدرسة والأسرة والإعلام والمؤسسات الرياضية، في انسجام مع القيم الإسلامية والمرجعيات التربوية الحديثة.
المراجع
المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي. (2015)
الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015–2030: من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء بالفرد والمجتمع. الرباط: المغرب.
Coakley, J. (2015).
Sports in Society: Issues and Controversies
(الرياضة في المجتمع: قضايا وإشكالات). نيويورك: ماكغرو هيل.
Shields, D. L., & Bredemeier, B. L. (2009).
True Competition: A Guide to Pursuing Excellence in Sport and Society
(التنافس الحقيقي: دليل لتحقيق التميز في الرياضة والمجتمع). شامبين: هومان كينيتكس.
UNESCO. (2017).
Sport and Anti-Discrimination: Policies and Programs
(الرياضة ومناهضة التمييز: السياسات والبرامج). باريس: اليونسكو.