عدم ترشح أخنوش.. صفعة سياسية لزعماء (الكرسي الأبدي)

Écrit par

dans

هبة بريس – عبد اللطيف بركة

في مشهد سياسي أنهكته الزعامات المعمرة والوجوه التي لا تغادر المنصات إلا قسرا، يطرح احتمال عدم ترشح عزيز أخنوش عن رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار قبل الاستحقاقات التشريعية المقبلة سؤالا محرِجا لباقي القيادات الحزبية، هل ما زالت السياسة شأنا جماعيا أم تحولت إلى ملكيات شخصية مغلقة؟

ففي المغرب، لم تعد الأزمة مرتبطة فقط بضعف البرامج أو هشاشة الوساطة الحزبية، بل في تغوّل “الزعيم” الذي يحتكر القرار والواجهة والشرعية، حتى باتت الأحزاب تشبه مقاولات عائلية أكثر منها مؤسسات ديمقراطية. من هنا، فإن مجرد تداول فكرة مغادرة أخنوش للقيادة، وهو على رأس حزب يقود الحكومة، يضرب في الصميم منطق “الزعيم الأبدي” الذي ظل لعقود عنوانا للفشل السياسي.

قد يبدو للبعض أن خطوة كهذه غير مبررة، بل وحتى عبثية، ما دام الحزب لم يُهزم انتخابيا ولا يعيش أزمة تنظيمية خانقة. غير أن هذا المنطق بالذات هو ما يفضح اختلال الوعي الديمقراطي داخل الأحزاب، فهل لا يحق للزعيم أن يغادر إلا إذا سقط؟ وهل التداول على القيادة عقوبة أم سلوك طبيعي في الأنظمة السياسية السليمة؟.

ولم يستوعب العديد من نشطاء الحزب ومن خارجه قرار أخنوش عدم الترشح لرئاسة الحزب، باعتبارهم أن الحزب لم يفشل بل لا يزال يدبر شؤون الحكومة وتجربته متواصلة، كما يرون أن حظوظه لا تزال قائمة لتصدر الانتخابات المقبلة، وهو ما جعل جل الأحرار يطرحون أسئلة قرار مغادرة أخنوش للرئاسة بعد المؤتمر الاستثنائي المزمع عقده في 7 فبراير المقبل بمدينة الجديدة.

لكن الإشكال الحقيقي لا يكمن في “لماذا ينسحب أخنوش؟” بل في “لماذا لا ينسحب غيره؟”. لماذا يظل بعض زعماء الأحزاب جاثمين فوق رؤوس تنظيماتهم لثلاث وأربع ولايات، بل أحيانا مدى الحياة، دون أن يرف لهم جفن وهم يشاهدون العزوف الانتخابي يتسع، والغضب الشعبي يتراكم، والثقة في السياسة تتآكل؟

إن أخطر ما أصاب العمل الحزبي بالمغرب ليس ضعف التأطير وحده، بل ترسيخ ثقافة مفادها أن الحزب يوجد لخدمة الزعيم لا العكس، وأن التداول خطر يجب تجنبه لا قيمة يجب الدفاع عنها. وهو ما جعل الأحزاب تفقد جاذبيتها، وتتحول في نظر المواطنين إلى أدوات بلا روح، عاجزة عن تجديد نفسها أو إنتاج نخبة سياسية مقنعة.

من هنا، فإن انسحاب أخنوش، إن تم، لن يكون حدثا حزبيا عاديا، بل ضربة رمزية موجعة لكل الزعامات التي بنت وجودها السياسي على فكرة “أنا أو لا أحد”. سيكون رسالة واضحة بأن السياسة ليست رهينة بالأشخاص، وأن الديمقراطية لا تبدأ من صناديق الاقتراع بل من داخل الأحزاب نفسها.

ولعل المفارقة المؤلمة أن من يرفعون شعار “الدفاع عن الديمقراطية” هم أنفسهم من يرفضون ممارستها داخل تنظيماتهم، ويتحصنون وراء مؤتمرات شكلية، وانتخابات داخلية مُعلبة، ومجالس وطنية لا تصنع القرار بل تباركه فقط.

في زمن يسأل فيه الشباب: لماذا نشارك في انتخابات لا تغير شيئا؟ يصبح التداول على القيادة فعلا سياسيا بامتياز، لا يقل أهمية عن البرامج والشعارات. فحين يرى المواطن أن نفس الوجوه تترشح منذ عشرين سنة، فمن الطبيعي أن يختار الانسحاب بدل المشاركة في مسرحية محبوكة مسبقا .

إقرأ الخبر من مصدره