حاورها: عبد الله الساورة
ينفتح هذا الحوار مع الباحثة والناقدة السينمائية جميلة عناب بوصفه عبورا هادئا نحو منطقة فكرية شديدة الحساسية، حيث لا تُطرح السينما كمنتج بصري فحسب، وإنما كخطاب مركّب وكجهاز للمعنى وكخبرة عاطفية تتجاوز حدود اللغة.
ويتقدّم الحوار، منذ سؤاله الأول، كاختبار حقيقي لحدود التحليل ولمشروعية الأدوات المستعارة من الأدب واللسانيات والسيميولوجيا، حين تُوضَع في مواجهة وسيط يتكلم بالصورة قبل الكلمة وبالانفعال قبل المفهوم. هنا لا يكون السؤال تقنيا، ولكن وجوديا؛ لأن الرهان لا يتعلق بكيف نحلل الفيلم، وإنما بكيف نصغي إليه دون أن نفرض عليه مركزية لغوية تُفرغه من طاقته البصرية والحسية.
ويمنح هذا الحوار القارئ إحساسا بأنه أمام تفكير يتشكّل أثناء الكلام، لا أمام أجوبة جاهزة في تجربة كاتبة انتقلت من النقد السينمائي إلى الإخراج بفيلمها “بيت الحجبة”. وتتكشّف ملامح مشروع نقدي لا يدّعي القطيعة مع النظريات الغربية، ولا يستسلم لها، وإنما يدخل معها في حوار تفاوضي دقيق، يختبر صلاحيتها داخل سياق سينمائي مختلف، متعدد، ومشحون بإكراهات جمالية وإنتاجية وثقافية. وتتقدّم جميلة عناب في هذا المسار بوصفها باحثة تنظر إلى السينما كوسيط عاطفي ومعرفي في آن واحد، وكفضاء تتقاطع فيه الصورة مع الذاكرة، والسرد مع الجسد، والتلقي مع التجربة الشخصية للمتفرج.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
ويشدّ هذا الحوار الانتباه لأنه لا يفصل بين المتلقي والناقد، ولا بين القاعة والمنصة الأكاديمية، وإنما يعيد التفكير في هذه الثنائيات التي طالما حكمت الخطاب السينمائي. ويُعاد طرح سؤال الجمهور، لا بوصفه كتلة صمّاء أو ذائقة ساذجة، بقدر ما هو فاعل منتج للمعنى، له انتظاراته وانفعالاته وشروط تلقيه. كما تُستعاد العتبات السينمائية، من ملصق وعنوان وتريلر، لا كواجهات تسويقية بريئة وإنما كبنى دلالية تشارك في صناعة الأثر السينمائي، وتوجّه فعل المشاهدة قبل أن تبدأ مع توالي إصدارات الكاتبة.
ويتحوّل النقاش، بهدوء عميق، إلى مساءلة التحولات الرقمية التي هزّت تجربة التلقي، وهدّدت طقس القاعة، دون أن تلغي جوهر السينما. وهنا لا يُدافع عن الشاشة الكبيرة بوصفها نوستالجيا بقدر ما هي تجربة حسية كاملة يصعب اختزالها. كما يُفتح سؤال السينما المغربية من الداخل، لا من زاوية النقص؛ بل من زاوية التفاوض الخلاق بين الإكراه والرؤية، وبين المحلي والعالمي، وبين التعدد بوصفه ثراء لا تشظيا.
وهذا الحوار مع الباحثة والناقدة السينمائية جميلة عناب، الذي ننشره هنا بجريدة هسبريس الإلكترونية، لا يعد القارئ بإجابات نهائية؛ فهو يدعوه إلى التفكير المشترك، ويضعه أمام سينما تُقرأ وتُحَسّ وتُختبر، ويقترح نقدا لا يتعالى على الجمهور ولا يذوب فيه، وإنما يصغي إلى المنطقة التي يولد فيها المعنى لحظة التماس بين الفيلم والمتلقي. إنه حوار يراهن على السؤال، وعلى الشك الخلّاق، وعلى جعل السينما مختبرا مفتوحا للفكر والجمال معا.

هل تعتقدين أن استلهام أدوات التحليل من الأدب واللسانيات والسيميولوجيا… كافٍ لفهم خطاب سينمائي يتجاوز اللغة نحو الصورة والانفعال أم أن ذلك يُعيد إنتاج مركزية لغوية في فضاء بصري؟
هذا هو السؤال المركزي الذي انطلقت منه في مقاربتي لموضوع التلقي مع الفيلم السينمائي ذي اللغة المركبة التي تختلف تماما عن اللغة المكتوبة، إذ ميزت في أطروحتي بين التحليل الأدبي كآليات وأدوات ومفاهيم وبين نتائج هذا التحليل التي تخليت عنها ما دامت هذه النتائج لا تهم عموما إلا الأدب ذاته. وهكذا، اتخذت من الجهاز المفاهيمي المستورد أداة، وتعاملت مع هذه النظريات ليس باعتبارها مجرد مواقف نظرية؛ بل فرضيات منهجية واستراتيجيات تحليلية صالحة لمقاربة موضوع الدراسة، خاصة أنها تتيح أدوات إجرائية تتكيف مع المعطى الجديد (الفيلم السينمائي). وانطلاقا من هنا، فالدراسة التحليلية الفيلمية تساهم في تطوير نظريات التلقي والتأويل والسرد وغيرها، وأيضا في إغناء الجهاز المفاهيمي المستورد، وربما فتح المجال لدراسة التلقي في ظواهر إبداعية أخرى (التشكيل، المسرح، التصوير…)؛ وهو ما يساهم، من دون شك، في تطوير كفايات نظريات التلقي الفيلمي ذات الطبيعة المركبة.
ومن ثم، فالفيلم السينمائي يتيح إمكانات أرحب على مستوى اللغة والجماليات، لا سيما أنه وسيط عاطفي (كما يذهب إلى ذلك الناقد الأمريكي روجي إيبرت)، وترجمة فنية لدهشة الفكر، وآلية لإنتاج دورات فكرية وإبداعية جديدة غير محصورة بنموذج جمالي ثابت.
في كتابك “التلقي من الأدب إلى السينما”، هل كان الانتقال فعليا نحو السينما أم مجرد إسقاط نظريات أدبية على وسيط مختلف؟ أين هي أدوات السينما التي لا يمكن ترجمتها لغويا؟
لا بد أن ننبه إلى أن الطبيعة الخاصة للمعطى الفيلمي تشترك مع الإبداعات الحكائية المكتوبة في خاصيتين اثنتين؛ أولاهما تتكون بنيته اللغوية الفيلمية من نفس المكون اللغوي الطبيعي، السمعي والبصري (حوار، كتابة). وثانيتهما لها نفس المكونات الحكائية والسردية المتواترة في الحكايات الطبيعية (فضاء، شخوص، أحداث…)
غير أن هذا التشابه لا يتيح لنا التعامل مع اللغة الفيلمية كلغة طبيعية، أي أنها ليست مجرد تراكيب لغوية وإسنادات لفظية تعاقبية أو خطية؛ لكون الفيلم لا يمكن أن يتحقق إلا داخل بنية لغوية بصرية محضة تحكمها زوايا نظر وحركات ومحاور للكاميرا وتوضيب وسُلَّمية لقطات وغيرها. ومن ثمة، فلا يمكن للغة الطبيعية ولا الحكائية أن توجد خارج الصورة، أي أننا ندرك العالم الحكائي بكل مكوناته بصريا، فتأخذ اللغة الطبيعية والبنية الحكائية، تبعا لذلك، شكلا مغايرا لطبيعتهما الأصلية.
ولا تعني الاختلافات السطحية بين مختلف الظواهر الإبداعية مطلقا أنها تختلف على مستوى البنية العميقة المجردة؛ فالبنية الصورية بنية كلية كونية، تتمظهر في التحققات المختلفة بدرجة من الدرجات، ويمكن لدراسة شاملة أن تركب كل نتائج التحليلات المختلفة لبناء نظريات التلقي الفيلمي.
كيف تفسرين غياب الاشتغال على التلقي الجماهيري الشعبي في مشروعك، رغم أن السينما تُنتج أساسا للجمهور؟ هل التلقي النخبوي هو الوحيد القابل للتحليل؟
لم أستثن الجمهور العريض من دراستي؛ بل انصب اهتمامي، إلى جانب فئة المتلقي العارف، على المتلقي الفعلي الذي يرتاد قاعة العرض قصد مشاهدة فيلم، حتى أعلل سبب إقباله على هذا الفيلم دون ذاك وعما إذا كان هذا الفيلم يوافق انتظاراته أو يخيبها، لأنتهي في الأخير إلى “صورة مقربة” للفيلم النموذج الذي يريده الجمهور العريض، وخصصت لهما دراسة ميدانية كمية وأخرى كيفية اعتمادا على فرضيات.
في مستوى أول: وضعت استمارة وزعتها على عدد من المتلقين الوافدين على صالات العرض بالدار البيضاء (800 مرتاد ومرتادة)، لمعرفة سر إقبالهم على القاعات السينمائية ورصد الآليات والمرجعيات الثقافية التي تتحكم في التلقي وتولد الانطباعات المختلفة حول الفيلم، سواء أكانت إعجابا أم رفضا أم قبولا. وهو ما قادني، في نهاية المطاف، إلى معرفة مواصفات الفيلم الذي يستجيب لانتظارات الجمهور العريض، وإلى معرفة ما إذا كان لدينا نموذج مشترك وعام للمتلقين ببلادنا، أم أنهم نماذج مختلفة ومتباينة، ولا يمكن التحكم في انتظاراتهم بوصفة فيلمية ذات خاصيات محددة.
وفي مستوى ثانٍ: انصبت دراستي الكيفية على فئة مهمة من المهتمين والنقاد وأهل الاختصاص، ومنهم نقاد ينتمون إلى الجمعية المغربية لنقاد السينما، علاوة على نقاد ينتمون إلى الجامعة الوطنية للأندية السينمائية، وحتى نقاد بدون انتماء لأي من الإطارات “النقدية” الموجودة، وأعضاء سابقين في لجان التحكيم المانحة للجوائز خلال بعض المهرجانات السينمائية المحلية؛ وذلك حتى أتمكن من فهم معايير الحكم والتقويم، وكذا شبكات القراءة المعتمدة في تحليلاتهم وأحكامهم.
هل يمكن اعتبار العتبات السينمائية (الملصق، العنوان، التريلر) أدوات تواصلية فعالة فعلا أم أنها مجرد واجهات تسويقية لا تعكس البنية الفيلمية؟ وهل تحليلها يمنحنا فهما أعمق أم يُضللنا عن جوهر الفيلم؟
لا شك في أن مفهوم العتبة كمكون نصي له خصائصه الشكلية ووظائفه الدلالية يطرح أمامنا ما يسميه جيرار جينيت بـ”النص الشامل”؛ ذلك أن العتبات ليست مجرد أدوات تواصلية، بل ظواهر نصية معقدة لا تبوح بكل مدلولاتها دفعة واحدة. وبتعبير آخر، إن العتبات تشكل دروبا من أجل استكشاف العمل الفني (السينمائي)، وهي التي تحقق ما يمكن أن نطلق عليه الأثر السينمائي (النصوص المحايثة أو الموازية/ النصوص المحاذية أو اللاحقة)، ونعني به: العنوان، اسم المخرج، أسماء الممثلين، الملصق، الحوارات، المتابعات الصحافية، الأعمال النقدية… وغيرها.
ومن ثمة، كان الهدف في دراستي يكمن في إبراز كيفية اشتغال العتبات كنسق من العلامات الدالة التي استثمرها المخرج من أجل تأمين العبور إلى المتلقي المستهدف (الجمهور العريض) واستمالته.
في ظل هيمنة الإعلام الرقمي على الترويج والتلقي، كيف تتعاملين مع التحولات التي جعلت من السينما محتوى قابلا للتفكيك عبر منصات غير سينمائية؟ هل ما زالت السينما تحتفظ بخصوصيتها؟ وهل بالإمكان تعويض القاعة أمام الإغراء الذي تتيحه المنصات؟ وكيف لمتلق اعتاد القاعة المظلمة والكرسي الوثير أن يشاهد الصورة ذاتها (الفيلم ذاته) الذي يبثها جهازه المنزلي؟ كيف له أن يماثل بين هذا التركيز وآخر يحكمه الأكل والشرب والحديث والتنقل بين المحطات أو المنصات؟
ربما بوسع البعض توفير طقس مماثل للجو السينمائي؛ ولكنه يستحيل محاكاة الطقس النموذجي للعرض، لضعف إمكانات التليفزيون – مهما ارتفعت – مقارنة بالصوت السينمائي والسماعات المنتشرة في أرجاء الصالة. ويصعب نقل المنظور السينمائي إلى الشاشة الصغيرة أو الألواح الإلكترونية أو الهواتف النقالة، فيضيع كثير من جهد المصور السينمائي عبثا بعد نقل عمله إلى الشاشات الصغيرة (الجماعية والفردية) هذا فضلا عن مقص الرقيب (في حالة التلفزيون) الذي قد يحذف مشاهد من شأنها خلخلة مسار الحكي داخل الفيلم.
هل تعتقدين أن تصنيف المتلقي إلى “عام” و”متخصص” يُنتج تراتبية معرفية تُقصي الجمهور وتُعلي من سلطة الناقد؟ أين موقع المتلقي العاطفي أو المتفاعل الحسي في هذا التصنيف؟
في اعتقادي أن السينما، بوصفها وسيطا عاطفيا، لا تُخاطب المعرفة وحدها؛ بل تستدعي الذاكرة والانفعال والتجربة الذاتية والذخيرة الثقافية والتراكم السينيفيلي، وهي مستويات لا تقل مشروعية عن القراءة التحليلية. ومن هذا المنظور، فإن التلقي العاطفي لا يقع خارج “الفهم” أو الانفعال أو التجاوب؛ بل يشكل أحد مداخله الأساسية، إذ إن الأثر الشعوري غالبا ما يسبق الوعي التأويلي ويؤسس له.
إن هذا التصنيف، حين يُفهم بشكل ثنائي صارم، يقصي المتلقي المتفاعل عاطفيا، الذي قد لا يمتلك أدوات نقدية منهجية؛ لكنه يمتلك تجربة عيش مع الفيلم، وقدرة على التماهي والتأثر، تمنح العمل السينمائي معناه الاجتماعي والإنساني. لذلك، أفضل النظر إلى التلقي باعتباره تقاطعا بين المعرفة والانفعال، لا هرما تراتبيا يعلي من سلطة الناقد على حساب الجمهور. الناقد بدوره يحس ويتفاعل.
وعليه، فإن الجانب العاطفي لدى المتلقي ليس هامشيا البتة؛ ذلك لأنه يذكرنا بأن السينما تصنع معناها لحظة التماس بين الفيلم والمتلقي، حيث يصبح المعنى تجربة مشتركة بينهما.
كيف تشتغلين على تحليل الفيلم المغربي في ظل غياب بنية إنتاج مستقرة؟ هل يمكن الحديث عن خطاب سينمائي مغربي في ظل التفاوت بين الرؤية الإبداعية والواقع الإنتاجي؟
أشتغل على تحليل الفيلم المغربي انطلاقا من المنجز الفيلمي نفسه بوصفه تجربة فنية إبداعية جمالية وخطابا ثقافيا إنسانيا، لا بوصفه مجرد انعكاس مباشر للبنية الإنتاجية. صحيح أن الإنتاج السينمائي المغربي يطمح إلى استقرار أكبر في آليات التمويل والتوزيع؛ غير أن هذا الواقع لم يمنع بروز تجارب سينمائية محترمة استطاعت أن تطور لغات بصرية وأساليب سردية خاصة، وأن تسافر بالفيلم المغربي إلى محافل دولية كبرى كمهرجان كان والبندقية وغيرهما.

عموما، لا أرى في التفاوت بين الرؤية الإبداعية والواقع الإنتاجي عائقا كبيرا، وإنما عنصرا منتجا للمعنى؛ فكثير من المخرجين والمخرجات طوروا استراتيجيات جمالية بديلة (تجربة المخرجان هشام العسري وحكيم بلعباس نموذجا) مكنتهم من تحويل الإكراه إلى خيار فني واعٍ. ومن هنا، يصبح الفيلم المغربي مجالا للتفاوض بين الطموح الجمالي والإكراه الإنتاجي، وهو تفاوض ينعكس بوضوح في بنية السرد، في الاختيار الجمالي، وفي علاقة الفيلم بواقعه الاجتماعي والإنساني.
أما بخصوص الحديث عن خطاب سينمائي مغربي، فأعتقد أنه يمكن الحديث عنه بصيغة الجمع لا المفرد؛ فنحن أمام خطابات سينمائية مغربية متعددة تشغل كل مخرج حامل لمشروع سينمائي، وهي خطابات تتقاطع حول أسئلة الهوية، الإنسان، الذاكرة، الجسد، الهامش، التحولات الاجتماعية…. رغم اختلاف شروط إنتاجها وأساليبها. هذا التعدد لا يضعف الخطاب السينمائي المغربي؛ لكنه يمنحه غناه ويجعله في حوار دائم مع السينما العالمية دون فقدان خصوصيته المحلية.
هل النقد السينمائي الأكاديمي الذي تمارسينه قادر على التأثير في الصناعة السينمائية، أم أنه يظل حبيس فضاء جامعي لا يصل إلى صناع القرار أو الجمهور؟
صراحة لا أعرّف ممارستي بوصفها نقدا سينمائيا بالمعنى التداولي؛ بل بوصفها بحثا أكاديميا في السينما ينطلق من مقاربات نظرية وجمالية محددة، لا تشتغل على الأفلام بصفة دورية، وإنما حين يفرض السؤال البحثي ذلك.
لا أعتقد أن البحث الأكاديمي يظل بالضرورة حبيس الفضاء الجامعي، وتأثيره في نظري لا يكون فوريا أو مباشرا؛ لكنه تراكمي وبنيوي. فهو يساهم في صياغة المفاهيم، وفي إعادة التفكير في الممارسات السينمائية، وفي تكوين أجيال من الطلبة والمهتمين الذين ينتقلون لاحقا إلى مواقع مختلفة داخل الصناعة: الإخراج، الإنتاج، الكتابة…
كما أن البحث الأكاديمي، حين يشتغل على السينما باعتبارها ممارسة ثقافية أو فنية أو فكرية…، يمكن أن يفتح مساحات حوار مع صناع الأفلام، أو مع المهرجانات، أو مع سياسات الدعم، حتى وإن لم يصل دائما بشكل مباشر إلى “صناع القرار”. إنه يؤثر عبر إعادة طرح الأسئلة أكثر مما يؤثر عبر تقديم حلول جاهزة.
لذلك، لا أرى أن العلاقة بين البحث الأكاديمي والصناعة السينمائية علاقة قطيعة، هي علاقة تفاعل غير متكافئ؛ فالصناعة تتحرك بمنطق الإكراهات الاقتصادية والمؤسساتية، بينما يشتغل البحث بمنطق التفكير والسؤال. وحين يحدث التقاطع بينهما في ورشات أو ندوات أو تجارب مشتركة، يصبح هذا التفاعل ممكنا.
في مقاربتك للتلقي، هل تشتغلين على البنية النفسية للمتلقي أم أن التحليل يظل سطحيا لا يتجاوز البنية النصية؟ كيف يمكن للناقد أن يقرأ ما لا يُقال في الفيلم؟
في مقاربتي للتلقي، لا أشتغل على البنية النفسية للمتلقي بالمعنى السيكولوجي؛ لأن ذلك يفترض أدوات ومناهج خاصة تختلف عن اشتغالي كباحثة في جماليات السينما.
أما بخصوص “قراءة ما لا يُقال” في الفيلم، ففي اعتقادي أن السينما لا تقول كل شيء، هي تلمّح، تترك الفراغات (مناطق اللاتحديد) وتبني معناها أحيانا مما لا يرى أو لا يُنطق. هنا، يتدخل التحليل الجمالي والسيميائي والسردي لملء تلك المناطق التي تُفِّعل خيال المتلقي وتدعوه إلى المشاركة في إنتاج المعنى.
أخيرا، هل ترين أن مشروعك النقدي يفتح أفقا لتأسيس نظرية سينمائية مغربية؟ أم أنه يظل امتدادا لمشاريع غربية تُعاد صياغتها محليا دون تفكيك بنيتها الأصلية؟
يصعب الحديث عن “مشروع نقدي خاص”، كما أجد أنه لا مجال لادعاء تأسيس “نظرية سينمائية مغربية مكتملة”، خاصة أن بناء النظرية يفترض اجتياز اختبارات متعددة. ما أطمح إليه، من موقعي كباحثة وفاعلة في السينما، هو المساهمة في “خلق شروط إمكان” بالحوار مع المنجز السينمائي الوطني والعالمي عموما، والاستفادة من طفراته وقطائعه وتطوراته؛ وذلك عبر منطق التفكيك، وإعادة التوظيف، والاختبار.
من هذا المنظور، فإن الاشتغال على التلقي في السينما المغربية وعلى العتبات وعلى علاقة الصورة بالانفعال وعلى تعددية المتلقين كان الهدف من ورائه هو “إرباك مجموعة من النظريات الجاهزة من الداخل” ودفعها إلى التمدد أو التحول، في ما يشبه “إعادة تفاوض سينمائي معرفي” معها.
ولهذا، أقول بكل وضوح إنني لا أطمح إلى إنتاج “نظرية مغلقة”؛ لأن أقصى ما يشغلني الآن هو المساهمة في “حساسية جمالية جديدة” تجعل من السينما المغربية مختبرا معرفيا مفتوحا على التجريب المستمر، لا موضوعا تابعا لنظريات أدبية أو فلسفية لا تقوم على لغته ولا على خصوصيته.