شغف المرأة المفاجئ والمتأخر بكرة القدم…

Écrit par

dans

الأحداث بقلم محمد اعويفية

لم يكن مشهدا مألوفا، قبل سنوات قليلة، أن ترى مجموعات من النساء يتجادلن بحرارة وحماسة حول خطة لعب، وهن ينتظرن في محطة الحافلات، أو في العمل، أو حتى في الأسواق، أو يرفعن أصواتهن احتفالا بهدف، أو تحسرا وأسفا على الهزيمة وفقدان اللقب. لكن هذا المشهد أصبح اليوم جزءا من حياة البيوت، وفي المقاهي ووسائل التواصل الاجتماعي. إنه الشغف المفاجئ والمتأخر للنساء بكرة القدم.

في البداية، كان ينظر إلى كرة القدم على أنها رياضة ذكورية، مرتبطة بالخشونة والتعصب واللغة الحادة في المدرجات. هذا التصور، طبعا، لم يكن بريئا، بل صنع اجتماعيا وثقافيا، حيث جرى عبر التاريخ إقصاء المرأة، ولو رمزيا، من هذا العالم، وحصر حضورها فيه في دور المتفرجة الصامتة أو المشجعة اللطيفة التي لا تفقه شيئا في عالم المستديرة. غير أن السنوات الأخيرة قلبت هذه الصورة كليا.

أحد أسباب هذا التحول هو الانفتاح الإعلامي والرقمي. منصات التواصل الاجتماعي كسرت الاحتكار الذكوري للخطاب «الكروي»، وسمحت للمرأة ببناء مجتمعات تشجيع خاصة بها، فأصبحت تعبر عن آرائها بحرية في تحليل المباريات، وانتقاد الحكام، وخطط المدربين، وتهاون اللاعبين. من هنا، لم تعد المتابعة الكروية تحتاج إلى شرعية يمنحها رجل يعرف قانون اللعبة وخباياها التقنية، بل أصبحت تجربة شخصية مفتوحة أمام الجميع.

بهذا الشغف الجديد، أصبح الانتماء إلى عالم المستديرة أكثر طبيعية وأقل غرابة. النجاح الإعلامي، وتزايد الاهتمام بالبطولات النسوية في العالم، أعادا تعريف كرة القدم كلغة كونية لا تعترف بنوع الجنس.

هذا الشغف المفاجئ بكرة القدم يفسره التغير العميق في تمثلات المرأة لذاتها. النساء اليوم أكثر حضورا في الحياة العامة، وأكثر جرأة في اقتحام مجالات كانت تعتبر رجالية. ومتابعة كرة القدم لم تعد تقليدا للآخر، بل باتت تعبيرا عن حق الاستمتاع بما نحب، دون وصاية من أحد.

ورغم ذلك، لا تزال بعض النظرات الساخرة تتهم هذا الشغف وتلاحقه، وتعتبره موضة فقط ستنتهي مع الوقت. وهي اتهامات تكشف خوفا ذكوريا من فقدان أحد آخر معاقل الهيمنة الرمزية.

كرة القدم، في جوهرها، لعبة شعبية، لعبة مشاعر وهوية وانتماء. وحين تتقاسمها النساء والرجال معا، تصبح أكثر قربا إلى معناها الحقيقي: لعبة للجميع، بلا استثناء أو تمييز.

هيئة التحرير26 يناير، 2026

إقرأ الخبر من مصدره