باشرت مصالح الجمارك تحقيقات موسعة في عمليات استيراد توابل مشبوهة عبر عدد من المنافذ الحدودية، في مقدمتها ميناء طنجة المتوسط وميناء الدار البيضاء، إضافة إلى معبر الكركرات، وذلك في سياق تشديد المراقبة مع اقتراب حلول شهر رمضان، الذي يشهد عادة ارتفاعا ملحوظا في الطلب على المواد الغذائية، وعلى رأسها التوابل.
وتأتي هذه التحركات بعد رصد تنامي نشاط شبكات منظمة متخصصة في تهريب التوابل والتلاعب بالوثائق التجارية والفواتير، بهدف تمرير شحنات كبيرة من المنتجات الفاسدة أو المشكوك في سلامتها إلى داخل التراب الوطني. وقد كشفت التحقيقات الأولية أن هذه الشبكات تعتمد أساليب معقدة تشمل النقل بين المدن والتخزين المؤقت في مستودعات غير مصرح بها، قبل إعادة توزيع السلع عبر نقط بيع لا تثير الشبهات، في محاولة للالتفاف على حملات المراقبة وزجر الغش التي تتكثف خلال الفترات الاستهلاكية الحساسة.
وأظهرت المعطيات المتوفرة أن جزءا مهما من التوابل المعروضة في الأسواق الوطنية لا يدخل عبر القنوات الرسمية المعتمدة، بل يتم تهريبه عبر مسارات غير قانونية، ما يشكل استنزافا مباشرا للموارد الجمركية وتهديدا حقيقيا للصحة العامة. وقد تبين أن نسبة معتبرة من هذه المنتجات منتهية الصلاحية أو تعرضت للتلف بسبب ظروف التخزين غير الملائمة، قبل أن يتم تسويقها للمستهلكين بأسعار تقل أحيانا عن الأسعار المتداولة في السوق النظامية.
وتركزت الأبحاث بشكل خاص على مسارات تهريب تمر عبر الأقاليم الجنوبية في اتجاه مناطق وسط وشمال المملكة، حيث يتم توجيه كميات كبيرة من التوابل نحو مدن كبرى تعرف كثافة سكانية عالية. وتلجأ شبكات التهريب في هذا الإطار إلى الاستعانة بتجار جملة وهميين، يقومون بتوزيع أطنان من التوابل المهربة على تجار تقسيط، خاصة في الأسواق الشعبية والأحياء ذات القدرة الشرائية المحدودة، مستعملين فواتير وأذونات توزيع وتخزين مزورة باسم شركات لا تمارس أي نشاط فعلي.
وتكشف الأرقام المرتبطة بسوق التوابل عن مفارقات لافتة، إذ تجاوز رقم معاملاته 300 مليون درهم خلال سنة واحدة فقط، في حين لم تتعد قيمة الواردات المصرح بها رسميا حوالي 100 مليون درهم. كما سجل حجم الواردات تراجعا طفيفا من سبعة آلاف طن إلى ستة آلاف و658 طنا، في وقت ارتفعت فيه فاتورة الاستيراد بفعل ارتفاع الأسعار في السوق الدولية، خاصة بالنسبة لمواد أساسية مثل “الإبزار”. هذه المعطيات عززت الشكوك بشأن وجود سوق موازية واسعة تعتمد على التهريب لتغطية الفارق بين العرض المصرح به وحجم الاستهلاك الفعلي.
وشملت التحقيقات أيضا تتبع مسار توزيع توابل فاسدة داخل الأسواق، بعد رصد تعرض كميات مهمة من السلع المهربة للتلف أثناء التخزين، سواء بسبب الرطوبة أو سوء التهوية أو طول مدة التخزين. وأسهمت معلومات واردة من مهنيين يشتغلون في الاستيراد القانوني للتوابل في كشف حجم هذه السوق الموازية، وتحديد هويات عدد من المتورطين فيها، ممن سبق أن وردت أسماؤهم في شكايات موجهة إلى الجهات الوصية حول المنافسة غير المشروعة التي يتعرض لها المستوردون الملتزمون بالقانون.
كما أظهرت التحقيقات أن بعض المتورطين راكموا ثروات كبيرة مستفيدين من موجات التضخم المتتالية وارتفاع أسعار التوابل في السوق، حيث تم توظيف هذه الظروف لتحقيق أرباح ضخمة خارج أي إطار قانوني أو مراقبة ضريبية. وللتمويه على أنشطتهم، لجأ بعضهم إلى إنشاء شركات صورية للنقل والتوزيع بين المدن، تُستعمل كواجهة لإضفاء طابع قانوني على عمليات تهريب وترويج منتجات غير مطابقة للمعايير الصحية.
وتعكس هذه التطورات حجم التحديات التي تواجهها السلطات في ضبط سلاسل الاستيراد والتوزيع، خاصة في القطاعات المرتبطة بالاستهلاك اليومي للمواطنين. كما تبرز أهمية تعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، من جمارك ومصالح مراقبة وجودة وسلطات محلية، من أجل حماية المستهلك وضمان نزاهة المنافسة والحفاظ على موارد الدولة، في ظل تنامي أساليب الغش والتهريب التي تستغل الفترات الاستهلاكية الحساسة لتحقيق مكاسب غير مشروعة.