موريتانيا وقضية الصحراء المغربية: اختبار “الحياد” وحدود العمق الاستراتيجي

Écrit par

dans

د.عبد القادر الحافظ بريهما

في عمق الجغرافيا والتاريخ، تشكل العلاقات بين موريتانيا والمغرب نموذجا فريدا في المنطقة، قوامه الامتداد الحضاري المشترك، وتراكم قرون من التفاعل الإنساني والسياسي والاقتصادي. فالمجال المغربي-الموريتاني لم يكن يومًا مجالا منفصلا، بل فضاء واحدا تشكلت داخله الدول والقبائل، وتداخلت فيه طرق التجارة والعلم والدين، بما جعل العلاقة بين البلدين تتجاوز منطق الجوار إلى منطق الشراكة التاريخية والمصير المشترك، رغم ما عرفته من هزات ظرفية لم تمس جوهرها العميق.

إن التاريخ المشترك بين البلدين يؤكد أن الروابط لم تكن عابرة أو مصلحية ضيقة، بل نابعة من وحدة الحواضن الاجتماعية والمرجعيات الثقافية نفسها، من البيضان والصحراء الكبرى إلى الزوايا العلمية والطرق الصوفية، ومن الامتداد الأسري والقبلي إلى التشابه في البنية الاجتماعية والقيم. هذا الترابط جعل من أي توتر سياسي حدثا استثنائيا لا يعكس حقيقة العلاقات بين الشعبين، التي ظلت، في عمقها، قائمة على الاحترام المتبادل والإحساس بوحدة الانتماء.

اقتصاديًا، يبرز التكامل بين المغرب وموريتانيا كرافعة استراتيجية حقيقية، حيث يشكل المغرب بوابة طبيعية لموريتانيا نحو الأسواق، ومصدرًا رئيسيًا للسلع والخدمات بجودة عالية وتكلفة أقل، دون استنزاف العملة الصعبة. الميزان التجاري بين البلدين يظل إيجابيا ومشجعا، ويعكس قدرة الاقتصادين على التفاعل والتكامل بدل التنافس، خصوصًا في مجالات الغذاء، اللوجستيك، الطاقات المتجددة، والبنيات التحتية.
ويتعزز هذا البعد الاقتصادي بالعمق الاستراتيجي الذي تمثله المملكة المغربية في محيطها الإقليمي، باعتبارها فاعلًا محوريا في الاستقرار والتنمية بغرب وشمال إفريقيا. الموقع الجغرافي لموريتانيا يؤهلها طبيعيا لأن تكون حدودها الشمالية مع المغرب، لا مع كيان تابع للجزائر، بما يحفظ توازنها الاستراتيجي ويجنبها الضغوط الجيوسياسية. فوجود دولة مصطنعة على حدودها الشمالية لا يخدم أمنها ولا استقرارها، بل يضعها في قلب صراعات إقليمية لا مصلحة لها فيها.

على المستوى السياسي، ظلت العلاقات المغربية-الموريتانية متوازنة في مجملها، تراعي حساسية المرحلة وتحافظ على خيط التواصل الدائم، انطلاقا من إدراك عميق بأن ما يجمع البلدين أكبر بكثير مما قد يفرقهما. صحيح أن اعتراف الرئيس الموريتاني الأسبق محمد خونا ولد هيدالة سنة 1984 بـما يسمى “الجمهورية الوهمية” شكل نقطة توتر حادة، في سياق انسحاب موريتانيا من وادي الذهب وتقاربها حينها مع دولة الجزائر، غير أن هذا القرار بقي معزولًا في الزمن، بدليل أن موريتانيا لم تفتح منذ ذلك التاريخ إلى اليوم سفارة للبوليساريو، في إشارة واضحة إلى محدودية ذلك الخيار وعدم تحوله إلى عقيدة دولة.

كما أن التجربة التاريخية أثبتت أن البوليساريو لم تكن يومًا شريكا صادقا وصديقا لموريتانيا، بل تعاملت معها بمنطق المصلحة الظرفية والاستغلال، إذ يمكن تلخيص تعامل البوليساريو معها بمثال دارج “الذيب حرام ومرقتو حلال”، حيث استغلت و استُخدمت الأراضي الموريتانية كمنصة للهجوم على المغرب، وتعرض آلاف الموريتانيين للزج في سجونها، بل أُعدم العشرات منهم خارج القانون، فضلًا عن الهجوم المسلح على نواكشوط الذي أودى بحياة مئات الموريتانيين. هذا السجل الثقيل لا يمكن القفز عليه عند تقييم أي موقف سياسي، خصوصًا في ظل خطاب إقصائي يحتقر الموريتانيين ويصفهم بأوصاف مهينة “لكريعات”.

في المقابل، يشكل مشروع أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب، الذي يمر عبر السواحل الموريتانية، نموذجا عمليًا لما يمكن أن تحققه الشراكة الاستراتيجية بين البلدين من مكاسب متبادلة، ويؤكد أن المستقبل الاقتصادي لموريتانيا مرتبط بمنطق التعاون الإقليمي البناء، لا بالارتهان لمحاور مغلقة. كما أن تسهيل تنقل الأشخاص، عبر حذف التأشيرة، من شأنه أن يفتح آفاقا واسعة للسياحة الدينية، والاستشفائية، وسياحة الأعمال، ويعزز الروابط الاجتماعية والنفسية بين الحواضن الاجتماعية الممتدة عبر الحدود.

وفي هذا السياق، إذا كانت موريتانيا الرسمية تفتح قنواتها للبوليساريو، فإن من مقتضيات التوازن والانفتاح أن تستقبل أيضا حركة “صحراويون من أجل السلام” المستقلة، التي تقدم رؤية واقعية ومتقدمة لحل قضية الصحراء في إطار مشروع الحكم الذاتي، وتعبر عن صوت صحراوي بديل يؤمن بالحلول السياسية التوافقية بعيدًا عن منطق العسكرة والتبعية.

خلاصة القول، إن مصلحة موريتانيا الوطنية تقتضي مراجعة مقاربة الحياد في ملف الصحراء، والانتقال نحو موقف أكثر انسجاما مع تاريخها وجغرافيتها وأمنها الاستراتيجي واقتصادها. حياد لا يراكم الخسائر ولا يحمي المصالح، بينما الانخراط الذكي في دعم حل سياسي واقعي، يضمن الاستقرار الإقليمي، ويحفظ الشراكة مع المغرب، ويجنب البلاد كلفة الاصطفاف غير المعلن مع مشاريع لا تخدمها. إن الخروج من حياد جامد إلى موقف براغماتي سيادي وطني، مبني على المصالح العليا لموريتانيا الشقيقة، هو خيار المستقبل، وخطوة ضرورية لترسيخ علاقة مغربية-موريتانية باعتبارهما، بحق، دولتين وشعبًا واحدًا.

إقرأ الخبر من مصدره