جلال المخفي
تنتقل الرباط اليوم من مرحلة «الدفاع عن الحق الترابي» إلى صياغة عقيدة «التفوق البنيوي»، وهي استراتيجية ردع متكاملة تهدف إلى جعل كلفة استمرار النزاع بالنسبة للجزائر تتجاوز قدرتها على التحمل سياسيا واقتصاديا ومؤسساتيا. فالردع الحقيقي في الفكر الاستراتيجي الحديث لا يتحقق فقط بالترسانة العسكرية، بل بخلق بيئة إقليمية ودولية تجعل من أطروحة الانفصال عبئا استراتيجيا وأخلاقيا يثقل كاهل الدولة الجزائرية، ويضعها في تصادم مباشر مع منطق التاريخ ومصالح القوى العظمى، ومع التحولات العميقة التي تشهدها منظومة العلاقات الدولية.
لقد أدرك المغرب أن إدارة النزاع بمنطق رد الفعل لم تعد مجدية في سياق دولي يعاقب الجمود ويكافئ المبادرة، فانتقل إلى مقاربة تقوم على إعادة تعريف الصحراء ليس كملف سياسي عالق، بل كرافعة استقرار، ومجال اندماج اقتصادي، ونقطة ارتكاز جيوسياسية في الفضاء الأطلسي الإفريقي.
الصحراء كركيزة أمنية واقتصادية
تعتمد أولى ركائز الردع العملي على ترسيخ مفهوم «الشرعية الوظيفية»، أي تحويل الإدارة المغربية للأقاليم الجنوبية إلى ضرورة حيوية للأمن القومي الدولي. ويتجسد ذلك في تحويل الصحراء إلى منصة عالمية للطاقة الخضراء، ومركز للربط القاري، عبر مشاريع استراتيجية كبرى من قبيل أنبوب الغاز الأطلسي، ومبادرة الولوج للمحيط الأطلسي، وشبكات الربط الطاقي واللوجستي بين غرب إفريقيا وأوروبا.
بهذا المنطق، لم تعد الصحراء مجرد مجال سيادي، بل تحولت إلى حل عملي لمعضلات دولية متشابكة، من أمن الطاقة إلى سلاسل التوريد، ومن الهجرة غير النظامية إلى الأمن الغذائي. وهو ما يجعل أي تشكيك في السيادة المغربية تشكيكا في استقرار منظومات كاملة تتجاوز حدود المنطقة.
هذا الترابط العضوي يخلق «درعا للمصالح» يردع الجزائر تلقائيا؛ فأي محاولة لزعزعة الاستقرار في المنطقة لن تُفهم كصراع مع المغرب فحسب، بل كاعتداء مباشر على المصالح الطاقية والتجارية لأوروبا وإفريقيا. وبهذا، تصبح الجزائر في مواجهة عزلة متزايدة أمام تحالف دولي يرى في الاستقرار المغربي شرطا أساسيا لاستدامة المصالح العابرة للقارات، لا مجرد توازن سياسي ظرفي.
تحييد السردية الانفصالية
في ظل تحول النزاعات المعاصرة نحو الفضاء الرقمي، بات لزاما على الرباط تفعيل «الردع السيبراني اليقظ» كأداة لحماية السردية الوطنية وتفكيك البروباغندا المعادية. ويشمل ذلك بناء منظومات رقمية دفاعية وهجومية قادرة على كشف زيف الخطاب الانفصالي داخل المنصات الدولية، والرد الاستباقي على حملات التضليل الممنهجة التي تستهدف التشكيك في الوحدة الترابية.
غير أن الرهان المغربي لا يقتصر على المواجهة التقنية، بل يقوم أيضا على ترسيخ نموذج معلوماتي قائم على الشفافية، وإتاحة المعطيات، وربط الخطاب السياسي بالمنجز الميداني. فحين تتطابق الأرقام مع الوقائع، وتنسجم الخطابات مع المشاريع، يصبح التضليل فعلا مكلفا لمن يروج له.
إن السيطرة على الفضاء الرقمي تمنح المغرب القدرة على عزل الخطاب الجزائري إعلاميا، وتحويله إلى «ضجيج معزول» يفتقر للمصداقية أمام الخوارزميات وصناع القرار العالمي، الذين باتوا يعتمدون على التحليل المركب والبيانات الموثوقة أكثر من الشعارات الإيديولوجية الجامدة.
إغلاق المنافذ الاستراتيجية
على مستوى الحرب النفسية، تبرز آلية «الحسم الصامت» كخيار استراتيجي فعال لاستنزاف إرادة الخصم، من خلال تجاهل الاستفزازات اللفظية مقابل تكثيف «الفعل السيادي» على الأرض. ويتجلى ذلك في تسريع وتيرة التنمية، وتعزيز الحضور المؤسساتي، وتكريس الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في الأقاليم الجنوبية.
ومن أخطر جوانب هذا الردع استهداف «التحول الجيلي» داخل مخيمات تندوف؛ فبينما يستمر الخطاب التقليدي في إعادة إنتاج أوهام سبعينات القرن الماضي، يقدم المغرب واقعا ملموسا قائما على التنمية، والحركية الاقتصادية، وإمكانيات الاندماج الاجتماعي. ويولد هذا التباين حالة من «الاغتراب الاستراتيجي» لدى الأجيال الشابة في المخيمات، وداخل الجزائر نفسها، ما يؤدي تدريجيا إلى تفكيك البنية النفسية والسياسية الداعمة للبوليساريو، ويجعل استمرار النزاع عبئا حتى على من يُفترض أنهم حاضنته الاجتماعية.
إلى جانب ذلك، يشكل بسط السيطرة البحرية الفعلية والكاملة على الواجهة الأطلسية ركيزة ردع مركزية. فترسيم الحدود البحرية، وتعزيز القدرات البحرية المغربية، وربط المجال البحري بالعمق التنموي للصحراء، لا تحمي الثروات الوطنية فحسب، بل تسد نهائيا أي هامش للمناورة الجيوسياسية عبر كيان انفصالي فاقد لشروط الاستمرارية.
هذا الحصار الجيوسياسي الهادئ يحوّل مشروع الانفصال إلى «سجن جغرافي» بلا أفق، ويدفع صانع القرار في الجزائر إلى إدراك أن طريق الاندماج الإقليمي والتنمية المشتركة يمر عبر التفاهم مع الرباط، لا عبر استدامة نزاع يستنزف الموارد ويعمق العزلة.
إن تضافر هذه المحاور — من الشرعية الوظيفية والردع السيبراني، إلى السيادة البحرية والحرب النفسية — يضع ملف الصحراء على مسار الحسم النهائي، لا بوصفه انتصارا ظرفيا، بل باعتباره إعادة ترتيب شاملة لموازين القوة في شمال إفريقيا.
ومع اقتراب موعد المراجعة الاستراتيجية لولاية بعثة المينورسو، يجد المغرب نفسه في مركز القوة، ممتلكا زمام المبادرة لفرض واقع جديد ينهي مهام البعثة بصيغتها التقليدية، ويعيد تعريف دور الأمم المتحدة من إدارة النزاع إلى تثبيت الحل.
والهدف النهائي هو إيصال الخصم إلى لحظة «اليقين الاستراتيجي» بأن تكلفة العداء للمغرب باتت تفوق بمراحل عوائد الاستثمار في نزاع خاسر، بما يمهد لطي الصفحة نهائيا تحت السيادة المغربية الكاملة.