
غيلان خالد
مقدمة
تَابعَ عُشاق المستديرة مباريات كأس إفريقيا التي جرت بالمملكة المغربية ما بين 21 دجنبر 2025 و18 يناير 2026 في نسختها الخامسة والثلاثين (35). وأبان المغرب خلال هذه الدورة عن إمكانيات تنظيمية استثنائية. لقد وفر للبلدان المشاركة بنية تحتية فريدة لا عهد لباقي دول إفريقيا بها. وكان المغرب في مستوى الانتظارات، ليس مع تظاهرة قارية فحسب، بل بتقديمه لدورة بمقاييس عالمية جمعت بين حسن الاستقبال وجودة الاشتغال. جرت المقابلات، كما تتبع الجميع، بتسع ملاعب متواجدة بستة (06) مدن محطماً الأرقام بنسب المشاهدة فاقت التوقعات، مستحضراً هنا روح المسؤولية اتجاه ذاته واتجاه الوجه الآخر. فانتزعت المملكة المغربية الاعتراف مرة أخرى من العالم، وأربكت حسابات الخصوم.
المغرب “جزيرة” مُلهمة
تبين لما يدع مجالا للشك، بأن المغرب عبر تاريخه القديم، والحديث، كان وسيبقى محط إعجاب وإشادة، وكذلك محط أطماع بالنظر لموقعه الجغرافي الاستثنائي ولموارده المتنوعة، ولغناه الثقافي والجمالي. اعتبره عبد الله العروي “جزيرة ”، واعتبرته الحفريات “مهد البشرية”، ووصفته الانتاجات الأدبية ب“الهالة الأسطورية”، وصنَّفته الكتابات الأجنبية ب“الفردوس المفقود”، وحسبه المبدعون “أرضاً مُلهمة” مثل ما حصل مع الرَّسامين، والشعراء، والسينمائيين، فلا يجب أن نستغرب إن اختير ك“جنة للحالمين”. سمحت الظروف لمن حضر أو تابع، ليعرف حق المعرفة بأن هذه التربة تستمد مجدها من ما يُرى، ومن ما لا يرى؛ من بنية فوقية تختزل الثقافات المختلفة، وأخرى تحتية صلبة وأصيلة، ومن نور رباني لا يُرى بالعين المجردة، يخترق التّراب، ويخترق طبقات الأرض، ويسكن القلوب ويُبقيها رحيمة، مؤمنة، ومطمئنة.
لقد اجتاز المغرب “كذات في جزيرة” امتحانه اتجاه الآخر، فنجح عبر تاريخه الطويل، وخلال عدة أيام، وحتى في دقيقة أن يكون على الاستقامة مُؤتمناً ومسؤولاً. جعلتْ النجاحات منه اليوم القوة الصاعدة بين الأمم، مهما كانت الطعنات في الخلف، تُديمه مُصرّاً على التقدم والمنافسة الشريفة. لن تثنيه التحديات عن مواصلة المسير، فالمعارك التي انتصر خلالها عبر الأزمنة وعبر العصور شاهدة لمن يتجاهل منجزات اليوم. يتأكد للذين كُتب لهم الإقامة بالمغرب أو زيارته بأن هذا البلد هو أرض المحبة والكرم، تنطبق عليه قولة بونمايسون في مؤلفه (الجزيرة الأخيرة، 1986، ص.154): “هذه الرغبة في الانفتاح لا تعني على أنه منفي […].فالذين يغادرون غالبًا لا يحلمون سوى بالعودة إليه.” تأكد للزوار بأن المغرب ليس “جزيرة قاحلة حتى وإن كان بها سكان”، كما يقول جيل دولوز عن الجزر، فهي في حالة المغرب نابضة بالقيم الإنسانية، مسكونة بالأرواح لها خصال العفاف والحياء، وبأسرار كثيرة لا ندركها؛ منعزلة لكنها تظل تلك “الهوية المعشوقة” بلغة دولوز، ونداء للبشرية من أجل أن يسود السلم بين الشعوب، فالمغاربة بعفويتهم يحبون ولا يكرهون.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
وجد بها الفنانون ما لم يجدوه بدول الجوار، فمُنحوا تلك البركة التي تُغذي الأولياء والصالحين حتى وإن تطلب الأمر من المغاربة القبض على “النومين”، والتخلي عن “الفينومين”، كما هو الحال عند صعود الألوان الفنية. اسألوا الرسام الكبير هنري ماتيس، وعودا من فضلكم للقطب مولاي عبد السلام بن مشيش، وتوقفوا لحظة مع أهالي تلك القرية المعلقة بأعالي جبال الأطلس التي تعطي كل شيء لتكتفي بعزة النفس، وإن اقتضى الأمر الرِّضا بلا شيء.
نستحق الكأس لكن يمكن أن نتخلى عنه
قدَّم المغرب، خلال الكان في نسختها 35، بطولة عالمية جرت على ملاعب رائعة، أُعدت بحس جمالي مُتفرد، وفي وقت وجيز، فبرزت تجليات الحضارة المغربية العريقة الضَّاربة جذورها في أعماق التاريخ، التي أضاءت القلوب التي في الصدور؛ جعلت من المغرب صديقاً لأمريكا، وحليفاً لإنجلترا، ونموذجا لدول إفريقيا في ميادين شتى، متصالحاً مع البحر بميناء متوسطي حوَّل طنجة لمنارة دولية، وميناء محيطي سيزيد الأقاليم الجنوبية نوراً وبهاءً، فتقترب المملكة المغربية بذلك أكثر من آسيا، وأمريكا، وأستراليا.
فالمغرب ماضٍ في تأهيل تربته، ومُصِرٌّ على الرفع من شأن أهله وذويه، بالدفع بنسائه ورجالاته لمواقع القرار في المنظمات والهيئات القارية والدولية، لأن الإنسان المغربي يستحق هذا التمثيل الذي جعل الأثر المغربي يصل للنفوس فأحدث بداخلها الثراءَ والغنى. يَنال اليوم الإشادة، فرجاء لا تبحثوا عن المزيد من الأدلة لمعرفة أسرار بركة من بركاته، تجدون الجواب – لمن يريد – في تشكيلات مخفية في اللوحات الفنية، في توريق استوعبه الزليج المغربي، في معالم بارزة تختزل في زخرفة بنيانه ونسيجه، وفي تجليات السلوك اليومي لساكنته.
لقد عزمت المملكة المغربية على خوض معركة التنمية البشرية والترابية، وستنجلي مظاهرها رُويداً رويداً، في إطار الرفع من شأن الشخصية المغربية بين الأمم حتى ولو كتب عليها القدر العيش في “جزيرة”. ويمكن اعتبار سنة 2025 منعطفاً جديداً في تاريخ المغرب؛ “إننا نعيش مرحلة فاصلة ومنعطفاً حاسماً في تاريخ المغرب الحديث، فهناك ما قبل 31 أكتوبر 2025 وهناك ما بعده”، كما عبر عن ذلك صاحب الجلالة محمد السادس في خطاب 31 أكتوبر 2025.
خلاصة القول
يكون بذلك “الكأس” هو هذا الجمع بين الفعالية في التنظيم، والروعة في الاشتغال، وسخاء اللاعبين على المستطيل. فيتحول “الكأس” من شيء إلى حب مغربي جارف يمتزج بمشاعر شعوب العالم. ننتظر درع البطولة فيأتي المطر غيثا من المستغيث فيسقي البلاد والعباد، ويروي الحقول والصَّحاري على امتداد الجبال والسُّهول. وننتظر “الكأس” فيزداد التعلق بهذه الأرض التي كانت سباقة للاعتراف باستقلال أمريكا، والتي منها رحل ابن بطوطة، وزحف يوسف بن تاشفين عبوراً لنصرة الأندلس. يتنفس اليوم الجميع تحت هذه الأمطار الخفيفة، أنفاس الشخصية المغربية الفريدة المُخلصة للروح لا للشيء فقط.