“القمر الأحمر” يغيب إلى الأبد.. وداعا بلخياط وداعا “يا داك الإنسان”

Écrit par

dans

إسماعيل الأداريسي

لم يكن عبد الهادي بلخياط مجرد مطرب مرّ في تاريخ الأغنية المغربية، بل كان “مدرسة” قائمة بذاتها في عالم الطرب، وصوتا بحجم وطن، استطاع أن يختزل في حنجرته شجن المغاربة، أفراحهم، وروحانياتهم على مدى أكثر من نصف قرن.

يوم الجمعة، وهو من أيام الله التي يتفاءل بها المغاربة خيرا ويتبركون بها، ترجل الفارس عن صهوة “قطار الحياة”، لكن صدى صوته لا يزال يملأ الأركان، معلنا أن الكبار لا يرحلون حقا، بل يخلدون في ذاكرة الشعوب.

من فاس.. البداية والروح

من عمق المدينة العتيقة “فاس”، رضيع أزقتها وربيب بيوتاتها العريقة، خرج عبد الهادي الزوكاري الإدريسي (بلخياط) إلى الدنيا مشبعا بروح المدائح النبوية وطرب الآلة الأندلسية.

لم يكن صوته مجرد موهبة عابرة، بل كان خامة “كرستالية” نادرة، جمعت بين رخامة القرار وقوة الجواب، مما أهله ليقف ندا لعمالقة الطرب العربي في الستينيات والسبعينيات، وليكون السفير الأمين للأغنية المغربية حين كانت تبحث عن هويتها.

امتلك بلخياط “كاريزما” طاغية؛ فهو الفنان الذي جمع بين وسامة الحضور وأناقة المظهر، وبين الأداء الساحر الذي يسرق الأسماع. كان وقوفه على المسرح حدثا في حد ذاته، يمسك بعوده الشهير، ويصدح بصوت لا يحتاج إلى مؤثرات صوتية ليخترق القلوب.

من ينسى رائعته “القمر الأحمر”؟ تلك القصيدة التي حولها بصوته إلى لوحة تشكيلية مسموعة، أو أغنية “الشاطئ” التي حملت نسيم البحر إلى البيوت، و”يا داك الإنسان” التي كانت رسالة فلسفية بامتياز. لقد كان بلخياط صوتا مثقفا، ينتقي الكلمة التي تعيش طويلا، واللحن الذي لا يصدأ.

منافسة العمالقة وصداقة الكبار

شكل مع رفيق دربه ومنافسه اللدود فنيا، عبد الوهاب الدكالي، ثنائية قطبية صنعت العصر الذهبي للأغنية المغربية. كانت منافسة شريفة ارتقى بها الذوق العام، وجعلت المغرب يمتلك جناحين يحلق بهما في سماء الفن العربي.

لم يكتفِ بلخياط بالمحلية، بل وقف شامخا في مسارح القاهرة، وأشاد بصوته كبار الملحنين العرب، من بليغ حمدي إلى الموجي، معتبرين إياه “صوتا شرقيا بنكهة مغربية خالصة”.

وفي منعطف لافت، قرر “العندليب” أن يهجر أغاني الحب والهوى، ليغتسل في نهر التصوف والمديح. لم يكن اعتزالا للفن، بل كان ارتقاء به نحو السماء.

استبدل “البذلة الرسمية” بالجلباب الأبيض الناصع، وأطلق لحيته وقارا، ليصدح بصوت أكثر نضجا وخشوعا بقصيدة “المنفرجة”، التي صارت نشيدا لكل الباحثين عن الطمأنينة.

تحول بلخياط إلى “منشد القلوب”، موجها صوته وإحساسه نحو المديح النبوي والإنشاد الديني، حيث غنى للرسول صلى الله عليه وسلم وللخالق بروح خاشعة ونبرة صادقة.

ومع تقدم العمر، لم يخفت بريق صوته، بل ازداد دفئا وعمقا، حاملا شحنة وجدانية قوية تلامس الأرواح قبل الآذان، وكأن التجربة الحياتية الطويلة صقلت أدائه ومنحته بعدا روحيا نادرا، جعل من أعماله لحظات تأمل وخشوع أكثر منها مجرد أغان.

“القمر الأحمر” يغيب إلى الأبد

اليوم، يتوقف قلب عبد الهادي بلخياط عن الخفقان بعد 86 عاما من العطاء الفني والإنساني، مسدلا الستار على مسيرة استثنائية طبعت الذاكرة الموسيقية المغربية والعربية بأعمال خالدة.

رحل بعد صراع مرير مع المرض أنهك الجسد وأتعبه لسنوات، لكنه لم ينل قط من قوة الروح ولا من صفاء الإيمان الذي لازم صاحبه في محطاته الأخيرة. ظل بلخياط، حتى في أقسى لحظات الألم، محتفظا بوقاره وسموه الداخلي، مسلما أمره للخالق، في صورة جسدت معنى الصبر والرضا، كما جسدت مسارا فنيا وإنسانيا قل نظيره.

يرحل “الهرم”، تاركا خلفه خزانة فنية هي بمثابة “متحف” للجمال الصوتي. سيفتقده الجمهور، وستفتقده المسارح، لكن كلما صدح المذياع بـ “كيف يدير آسيدي”، سيعلم الجميع أن عبد الهادي بلخياط لم يمت، بل صعد ليغني في ملكوت أرحم وأبقى.

وداعا أيها الصوت الشامخ الذي سكن وجدان المغاربة لعقود.

وداعا لصاحب الإحساس العميق الذي منح للأغنية معناها الإنساني والروحي.

وداعا صاحب القمر الأحمر، تلك الأغنية التي لم تكن مجرد لحن، بل حالة شعورية كاملة، عبرت عن الحب والحنين والألم بجمال نادر.

إقرأ الخبر من مصدره