البوليساريو وقمع الاصوات الحرة في تندوف: منطق الاغتيال لإسكات دعاة الحل السياسي.

Écrit par

dans

د.عبد القادر الحافظ بريهما

يقع الصحراويون في مخيمات تندوف تحت قبضة سلطة قمعية تفرضها الجزائر عبر أدواتها المحلية، حيث يتعرض أبناء المخيمات للتضييق والتخويف والتأديب بسبب مواقفهم السياسية، خصوصا حين يبدون تعاطفا مع الحلول الواقعية للنزاع. وقد اعتمدت قيادة البوليساريو، في أكثر من محطة، أسلوب التصفية الجسدية لإسكات الاصوات المؤيدة للحل السياسي، ما يعكس تحولا خطيرا من إدارة سياسية للنزاع الى منطق أمني قائم على الترهيب والعقاب.

لم تعد مخيمات تندوف مجرد فضاء انساني معزول، بل تحولت، وفق شهادات متطابقة ومعطيات متراكمة، الى منطقة مغلقة تحكمها قبضة أمنية صارمة، حيث تدار حياة الناس ومصائرهم بعيدا عن أي رقابة دولية مستقلة. وفي هذا المناخ، يجري قمع الاصوات المخالفة عبر التخويف والتهديد، ثم التصفية، ففرض الصمت القسري، في مشهد يعكس انتهاكات جسيمة للحقوق الاساسية وخرقا مستمرا للمواثيق الدولية.

وفي هذا السياق، اثارت قضية الشاب الرحماني احمد ولد التومي موجة استنكار واسعة، بعد وفاته في ظروف غامضة داخل ما يسمى بولاية السمارة في مخيمات تندوف. ويتعلق الامر بشخص سبق له ان عبر عن دعمه الصريح لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، ودعا عبر تسجيلات صوتية متداولة قيادة البوليساريو الى التعامل مع هذا المقترح كحل سياسي واقعي، كما اعلن رغبته الواضحة في العودة الى المغرب، وهو ما جعله هدفا لحملة تضييق انتهت بشكل مأساوي.

وقبل الاعلان عن وفاته الاخيرة، كان الرحماني احمد قد تعرض لاعتداء انتهى بتصفيته داخل كشك بالمخيمات، ثم جرى دفنه في ظروف مثيرة للريبة والشكوك. وقد اكد غاسل الجثمان وجود كسور واضحة على مستوى الجسد، ما دفع عائلته الى المطالبة بتشريح مستقل للجثة، في مطلب قانوني وحقوقي مشروع، قوبل بالصمت والتجاهل، دون فتح أي تحقيق جدي او تقديم توضيحات رسمية ذات مصداقية.

ولا تعد هذه القضية حالة معزولة، بل تندرج ضمن سلسلة من حوادث الاغتيال والتصفية التي طالت خلال السنوات الاخيرة عددا من المدنيين داخل المخيمات، خصوصا اولئك الذين عبروا عن مواقف داعمة للحل السياسي او ابدوا رغبتهم في مغادرة المخيمات والعودة الى المغرب. ومع كل بروز لصوت معارض او مؤيد للتسوية، يتصاعد التشدد الامني في نمط يكشف عن سياسة ممنهجة لاسكات الرأي المختلف وترهيب المجتمع الداخلي.

وقد تصاعد هذا المنحى القمعي بشكل ملحوظ منذ القرار الاممي رقم 2797، حيث فُرضت قيود مشددة على حرية التعبير داخل المخيمات، وأصبح كل رأي خارج الخطاب الرسمي للبوليساريو يُصنَّف كخيانة تستوجب العقاب. وبالتوازي مع ذلك، شهدت المخيمات في الاونة الاخيرة احتجاجات واسعة وحرائق احتجاجية استهدفت مقرات ادارية ومحاكم، في تعبير صريح عن حالة الغضب الشعبي والاحتقان المتراكم نتيجة القمع والفساد وانسداد الافق السياسي والاجتماعي.

وعبر التاريخ، حين يلجأ الناس الى حرق المحاكم او استهداف رموز القضاء، فإن ذلك يعكس انهيار الثقة في العدالة، ويؤشر على ان القضاء لم يعد ملاذا للمتضررين، بل تحول في نظرهم الى جزء من منظومة الظلم. وعندما تصل المجتمعات الى مرحلة مهاجمة مؤسسات القانون، فذلك لا يعبر عن رغبة في الفوضى بقدر ما يمثل اعلانا صريحا بان العقد الاجتماعي قد تصدع، وان الثقة في الدولة ومؤسساتها قد تلاشت تحت وطأة القمع وانعدام الانصاف.

وفي هذا الاطار، يبرز سؤال جوهري حول الجهة الحقيقية التي تمسك بزمام القرار داخل تندوف، اذ تشير المؤشرات الميدانية والسياسية الى ان البوليساريو لم تعد سوى واجهة تنظيمية، بينما تتحكم الجزائر فعليا في القرار الامني والسياسي، بصفتها صانعة الجبهة وحاضنتها والمسؤولة عن ادارة المخيمات ومنع أي رقابة دولية مستقلة عليها، بما يكرس منطق الافلات من المحاسبة.

وليست جراىم الاغتيال والاعتقال التعسفي داخل المخيمات امرا طارئا او معزولا، بل تمتد جذورها الى ممارسات قديمة ارتكبتها البوليساريو خلال السبعينيات والثمانينيات، حيث قتل واعتقل العشرات والمئات من الابرياء في سجون الرشيد والذهيبية وگويرة بيلة…، في انتهاكات جسيمة لا تزال دون مساءلة او اعتراف رسمي، ما يعكس استمرارية ثقافة القمع والتصفية.

ومن هذا المنظور، ترى الجزائر في أي حل سياسي واقعي تهديدا مباشرا لحساباتها الاقليمية، وتسعى الى افشاله عبر الوكيل، وهو ما يجعل كل صوت داعم للحكم الذاتي او مناد بالعودة عقبة يجب ازالتها. ولهذا ندعو المنظمات الدولية والهيئات الحقوقية الى تحمل مسؤولياتها في حماية الصحراويين الذين يتبنون مواقف مغايرة لاطروحات الانفصال، والتحقيق في جراىم الاغتيال والقمع داخل المخيمات، وعلى رأسها ملف ولد التومي، الذي يمثل رمزا لمعاناة مستمرة ولسياسة ممنهجة لانتهاك الحقوق وكم الافواه.

إقرأ الخبر من مصدره