الوزيرة بنعلي تكسر جدار الصمت تحت قبة البرلمان بجرأة سياسية غير مسبوقة

Écrit par

dans

الخط : A- A+

ما بدا، في الظاهر، مداخلة حكومية حول مشروع قانون، تحوّل، في العمق، إلى خطاب سياسي عالي السقف، حمل رسائل ثقيلة الوطء، ودوّى صداه داخل قبة البرلمان وخارجها.

فقد جاءت مداخلة ليلى وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، ليلى بنعلي، اليوم الثلاثاء، خلال جلسة تشريعية بمجلس النواب، خُصصت للدراسة والتصويت على مشروع قانون يقضي بتحويل المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن إلى شركة مساهمة، في صيغة أقرب إلى لائحة اتهام مؤسساتية موجّهة إلى بنية اختلّ فيها توازن السلطة الاقتصادية، وتشابكت داخلها المصالح، وامتدّ فيها العبث إلى قطاع استراتيجي يمسّ جوهر السيادة الوطنية.

لغة الوزيرة جاءت حاسمة وصريحة، قائمة على تشخيص صارم، واستدعاء مباشر لمفاهيم التنافي، والاحتكار، وتداخل المصالح، وغياب الحياد التنافسي داخل قطاعات يفترض أن تُدار بمنطق السيادة، حيث أن استعمال هذه المفاهيم من داخل الحكومة، وتحت قبة البرلمان، نقل النقاش من مستوى التداول التشريعي إلى مستوى خطابي سياسي محسوب، يضع منظومة تدبير الطاقة والمعادن تحت مجهر المساءلة العمومية.

وفي هذا السياق، كشفت ليلى بنعلي أن فاعلين في قطاع الغاز الطبيعي والبنيات التحتية المرتبطة به عبّروا عن مخاوف حقيقية مرتبطة بحالات التنافي وتداخل المصالح وغياب الحياد التنافسي لدى بعض المؤسسات العمومية، محذّرة من مخاطر احتكار تفضي إلى أسعار غير معقولة، وتُقيّد الولوج إلى التكنولوجيات الحديثة والنظيفة، وتُعرقل مسار الانتقال الطاقي. هذا التصريح الصادر من داخل الحكومة حمل دلالة سياسية ثقيلة، لأنه أقرّ بوجود اختلال عميق في قواعد اشتغال السوق الطاقية.

وفي فقرة ثانية ذات حمولة سياسية وقانونية عالية، شددت الوزيرة على أن ضخ المال العام في غياب حكامة صارمة يقود إلى نتائج مدمّرة لقواعد المنافسة، حين تُمنح الامتيازات دون ضمان تكافؤ الفرص، أو تُترك السوق رهينة شبكات النفوذ والإقصاء غير المعلن. بهذا الكلام، وُضعت اليد مباشرة على جوهر الأزمة: قطاع استراتيجي خضع، لفترات طويلة، لمنطق المصالح المتشابكة بدل منطق الدولة.

كما أن استحضار المسؤولة الحكومية لمضامين الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش بتاريخ 29 يوليوز 2020 جاء في قلب هذا السجال، حين دعا الملك محمد السادس إلى إطلاق إصلاح عميق للقطاع العام، ومعالجة الاختلالات الهيكلية التي تعاني منها المؤسسات والمقاولات العمومية، مع التشديد على الحكامة، والنجاعة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو الاستحضار الذي رسّخ الإطار السيادي للإصلاح، وربط مشروع القانون بإرادة عليا تهدف إلى تفكيك بُنى الريع، وإعادة تموقع الدولة كضامن للتوازن داخل القطاعات الاستراتيجية.

وضمن هذا الأفق، اكتسبت مداخلة ليلى بنعلي أبعادا سياسية مضاعفة حين قُرئت في سياق يعرف فيه الجميع أن رئيس الحكومة عزيز أخنوش فاعل مركزي في قطاع الطاقة والمحروقات، وأن لوبيات هذا المجال راكمت نفوذًا طويل الأمد، جعل السوق تميل إلى تركّز القرار والربح داخل دوائر محدودة. وعليه، تحوّل خطاب الوزيرة إلى رسالة مباشرة موجّهة إلى داخل الأغلبية قبل المعارضة، تفيد أن السيادة الطاقية خط أحمر، والمشاريع الملكية الكبرى رافعة للدولة لا قناة لتضخيم الثروات.

وعندما ربطت وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة بين الإصلاح، والأسعار المعقولة، ومناصب الشغل، والسيادة الطاقية والسيادة المعدنية، أعادت ترتيب المعادلة السياسية للقطاع من جذورها، إذ أن الطاقة، في هذا التصور، ركيزة للأمن الاقتصادي والاجتماعي، ومجال سيادي يرتبط بحماية القدرة الشرائية، واستقرار النسيج الإنتاجي، وصيانة القرار الوطني من الابتزاز الاقتصادي.

لكن الرسالة الأشد وقعا في هذا الخطاب تمثّلت في التحذير من أن استمرار الاختلالات يقود إلى تعطيل الانتقال الطاقي، وإعاقة الولوج إلى التكنولوجيا النظيفة، وإضعاف موقع المغرب في رهانات المستقبل، وهو التحذير الذي حمل اتهاما صريحا لمنظومة مصالح عطّلت مشاريع استراتيجية، واستثمرت في الزمن الضائع، واشتغلت على تحويل السيادة الطاقية إلى مجال للمناورة بدل أن تكون أساسا للأمن الاستراتيجي.

إن ما جرى تحت قبة البرلمان مثّل دقًّا واضحا لجرس الإنذار. فكل من يتلاعب بقطاع الطاقة، أو يلتفّ على الإصلاحات الكبرى، أو يتعامل مع المشاريع الملكية باعتبارها فرصا للاغتناء، يضع نفسه في مواجهة سؤال وطني حاسم: لمن تُدار هذه القطاعات، ولصالح من؟

لقد كشفت مداخلة ليلى بنعلي جرأة سياسية نادرة داخل حكومة يطغى عليها التحفّظ. جرأة تنبع من وعي قانوني، وتتغذّى من حس سيادي، وتستبطن روح “تمغربيت” في معناها العميق: دولة قوية بمؤسساتها، عادلة في أسواقها، حازمة في مواجهة لوبيات النفوذ.

ولهذا السبب، ستظل كلماتها قابلة للتأويل السياسي، ومفتوحة على قراءة واحدة واضحة: زمن التنافي والاحتكار وتداخل المصالح يقترب من نهايته، ومن يعبث بالسيادة الطاقية بات مكشوفا تحت ضوء المساءلة.

إقرأ الخبر من مصدره