ثالثا: مراجعة الهندسة العقابية وإعادة توصيف الأركان المادية للجرائم
لقد طال التغيير الجوهري المادة 316 من مدونة التجارة، حيث تم استبدال توصيف “عدم توفير المؤونة” بتوصيف أدق قانونا وهو “إغفال الحفاظ على المؤونة أو تكوينها قصد أداء الشيك عند تقديمه”، هذا التعديل يفرض على القضاء ـ النيابة العامة ـ تكييف المتابعات وفقا لمرونة هذا التوصيف، بالإضافة إلى عقلنة الجزاء.
الملاحظ هنا أن المشرع قد ألغى العقوبة الحبسية في المادة 319 من نفس القانون المتعلقة بقبول الشيك على سبيل الضمان، مكتفيا بغرامة قدرها %2 من قيمة الشيك، وهو اعتراف بصعوبة محاربة هذه الممارسة عبر السجن وتركيز على الردع المالي .
في المقابل، تم ضبط عقوبات المسطرة في المادة 316 من مدونة التجارة بين ستة أشهر وثلاث سنوات، بينما شدد المشرع في المادة 318 من نفس القانون العقوبة لتصل لسنتين حبسا لمن أصدر شيكا خرقا للمنع البنكي أو القضائي، مع الإبقاء على عقوبات التزوير المشددة (تصل لـ 5 سنوات) صيانة للثقة العامة. ومن النقاط الحساسة التي يجب التنبه إليها هي استثناء هذه الجرائم صراحة من نظام العقوبات البديلة المنصوص عليه في القانون رقم 43.22، مما يغلق الباب أمام إمكانية استبدال الحبس المحكوم به بأي تدبير آخر غير الأداء .
رابعا: الصلح الجنائي اللاحق وأثره في تطهير المركز القانوني للساحب
يعتبر هذا المحور حجر الزاوية في فلسفة القانون 71.24، حيث أقر المشرع نظاما متكاملا للتسوية اللاحقة يسري في جميع مراحل التقاضي. ففي مرحلة المحاكمة، يؤدي أداء مبلغ الشيك أو الخصاص مع غرامة % 2 إلى سقوط الدعوى العمومية بقوة القانون. أما الامتداد النوعي لهذا المقتضى، فيتجلى في إمكانية إيقاف تنفيذ العقوبات السالبة للحرية حتى بعد صدور أحكام نهائية حائزة لقوة الشيء المقضي به؛ إذ بمجرد قيام المحكوم عليه المعتقل بأداء قيمة الشيك أو إدلاءه بتنازل المستفيد، مشفوعا بأداء الغرامة المالية المحكوم بها لفائدة الخزينة، يتعين على النيابة العامة إصدار تعليمات فورية للمؤسسة السجنية للإفراج عنه. وبالتالي فهذا المقتضى يعيد صياغة مفهوم “الردع” ليصبح وسيلة لتحقيق “الوفاء”، بحيث تصبح الحرية مكافأة قانونية فورية للأداء المالي .
خامسا: النطاق الزمني لسريان القانون وضوابط التطبيق الفوري
بناء على دخول هذا القانون حيز التنفيذ يوم 29 يناير 2026، فإن تفعيله يثير إشكالية الأثر الفوري والرجعي للقوانين. فبينما تخضع المتابعات الجديدة حصرا لمسطرة الإعذار، فإن المتابعات التي كانت جارية قبل هذا التاريخ لا تعاد فيها المسطرة، لكن أصحابها يستفيدون من جميع “الضمانات الموضوعية” الجديدة باعتبارها قانونا أصلح للمتهم، خاصة ما يتعلق بشروط سقوط الدعوى وإيقاف التنفيذ عند الأداء. وتجدر الإشارة إلى أن المشرع قد ألغى شرط المدة الزمنية لرد الاعتبار لمن استوفى ذمته المالية ، مما يسهل إعادة الإدماج الاقتصادي السريع للساحب وتطهير سجله العدلي فور الأداء، وهو مقتضى يتماشى مع البعد التحفيزي للقانون الجديد .
ختاما، يمكن القول ان القانون رقم 71.24 يمثل الانتقال النوعي من “الزجر الصرف” إلى “العدالة التصالحية والائتمانية”، حيث أصبح الشيك محصن بضمانات التوازن بين حق الدائن في الاستخلاص وحق المدين في عدم التعرض لسلب الحرية متى أثبت حسن نيته عبر الأداء. وبالتالي فنجاح هذا الإصلاح رهين بيقظة النيابة العامة والممارسين في تنزيله تنزيلا دقيقا يحقق غايات المشرع . وبناء عليه، نخلص إلى التوصيات التاليـــة :