هدى وحتاش
تعد ضريبة الكربون أحد أبرز آليات تفعيل مبدأ “الملوث المؤدي”، باعتباره من المبادئ المؤسسة للقانون الدولي للبيئة، والرامية إلى حماية البيئة وضمان استدامة الموارد الطبيعية لفائدة الأجيال الحالية والقادمة.
وقد انتقل هذا المبدأ من الإطار الدولي إلى التشريعات الوطنية، ضمن مسار التزام الدول بتعهداتها المناخية، خاصة في إطار اتفاقية باريس للمناخ، التي تهدف إلى الحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض عبر تقليص انبعاثات الغازات الدفيئة، وفي مقدمتها ثاني أكسيد الكربون.
وفي هذا السياق، انخرط المغرب مبكرا في هذا التوجه، سواء من خلال استراتيجياته المناخية والطاقية، أو عبر إدماج البعد البيئي في إصلاح منظومته الجبائية، ولا سيما بالتنصيص لأول مرة على إحداث ضريبة الكربون بموجب القانون الإطار رقم 69.19 المتعلق بإصلاح النظام الجبائي.
غير أن هذا التوجه يطرح إشكالية مركزية مفادها: هل تمثل ضريبة الكربون بالمغرب أداة بيئية حقيقية لحماية البيئة وتقليص الانبعاثات، أم أنها تندرج أساسا في إطار تكيف اضطراري مع إكراهات خارجية، خاصة الآلية الأوروبية لتعديل الكربون على الحدود (MACF) المرتقب أو التي من المفروض تفعيلها الكامل منذ فاتح يناير 2026 ؟ وإلى أي حد يمتلك المغرب الشروط القانونية والمؤسساتية والاقتصادية لأجرأة هذه الضريبة بشكل عادل وفعال دون المساس بتنافسية نسيجه الاقتصادي؟
تعرف ضريبة الكربون بأنها ضريبة بيئية مباشرة تفرض تناسبيا مع كميات ثاني أكسيد الكربون (CO₂) المنبعثة أثناء إنتاج أو استعمال سلعة أو خدمة. وتقوم على منطق بسيط مفاد أنه كلما ارتفعت الانبعاثات، ارتفع العبء الضريبي، وهو تطبيق مباشر لمبدأ “الملوِث يدفع”.
وتعد ضريبة الكربون أحد أكثر الأدوات الجبائية اعتمادا على المستوى الدولي في الآونة الأخيرة خصوصا فيما يتعلق بتضريب الإنتاج المعتمد على الوقود الأحفوري (الفحم، النفط، الغاز)، حيث يمكن استخلاصها إما قبليا عند إنتاج أو استيراد مصادر الطاقة، أو بعديا عند استهلاك المنتوج النهائي. وتهدف هذه الضريبة إلى دمج الكلفة البيئية والاجتماعية للنشاط الاقتصادي ضمن الأسعار، بما يخلق حوافز اقتصادية لتقليص الاستهلاك الطاقي الأحفوري، وتحسين النجاعة الطاقية، والاستثمار في الطاقات النظيفة.
وقد كرس المشرع المغربي هذا التوجه صراحة ولأول مرة من خلال القانون الإطار رقم 69.19 المتعلق بالإصلاح الجبائي والصادر في 26 يوليو 2021 الذي جاء لملاءمة أسس النظام الجبائي مع التطورات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية والتكنولوجية التي عرفتها البلاد مع الأخذ بعين الاعتبار الالتزامات الدولية.
وقد نص هذا القانون الإطار بشكل عام في ديباجته على كون الضريبة رافعة أساسية لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية وعاملا من عوامل التقليص من التفاوتات الاجتماعية والمجالية. وبشكل خاص في مادته السابعة (7) التي نصت على إحداث ضريبة الكربون كما يلي:
“ستسن تدابير جبائية ملائمة من أجل:
– تطوير القطع الثقافي؛
– النهوض بالاقتصاد الاجتماعي؛
– حماية البيئة لا سيما من خلال إحداث ضريبة الكربون؛
– تشجيع البحث العلمي في مختلف المجالات ذات الأولوية بالنسبة للاقتصاد الوطني.
إذن الملاحظ أن التنصيص على إحداث ضريبة الكربون مندرج مباشرة في سياق حماية البيئة كما توضح المادة، حيث جاء مقرونا بهدف بيئي واضح، وليس كغاية مالية أو جبائية محضة.
ويكتسي هذا الاختيار دلالة قانونية مهمة، مفادها أن الضريبة الكربونية تؤطر كأداة وقائية بيئية، وليست مجرد وسيلة لزيادة الموارد المالية للدولة، خاصة في ظل المعطيات المقلقة المرتبطة بتكلفة التدهور البيئي، التي تتر بحوالي 3.5 في المائة من الناتج الداخلي الخام سنويا.
ويأتي النقاش حول ضريبة الكربون في المغرب في سياق دولي ضاغط، يتجلى أساسا في الآلية الأوروبية لتعديل الكربون على الحدود (MACF)، التي تهدف إلى فرض رسم كربوني على الواردات القادمة من دول لا تعتمد تسعيرا مماثلا للكربون، حماية للصناعة الأوروبية من “تسرب الكربون”.
وبالنظر إلى أن أكثر من 60 في المائة من الصادرات المغربية موجهة نحو الاتحاد الأوروبي، فإن غياب نظام وطني فعال لتسعير الكربون قد يؤدي إلى فقدان تنافسية المنتجات المغربية، وتحويل مداخيل ضريبية محتملة إلى الخارج، بل وتعميق التبعية التنظيمية للمعايير البيئية الأوروبية. ومن هنا، تبرز ضريبة الكربون في حقيقة الأمر كأداة مزدوجة الوظيفة؛ آلية بيئية داخلية، وأداة دفاع اقتصادي خارجي لحماية تنافسية المنتجات والاقتصاد المغربي ككل.
ورغم أهمية الإطار القانوني والتوجهات الاستراتيجية، فإن أجرأة ضريبة الكربون تواجه عدة إكراهات، من أبرزها:
• غياب نصوص تنظيمية دقيقة تحدد نطاق التطبيق والقطاعات المستهدفة؛
• هشاشة بعض القطاعات الصناعية أمام كلفة الانتقال الطاقي؛
• ضعف منظومة قياس وتتبع الانبعاثات الكربونية؛
• التخوف من الانعكاسات الاجتماعية لارتفاع أسعار الطاقة؛
• غياب ربط واضح بين مداخيل الضريبة وتمويل الانتقال الطاقي أو دعم الفئات المتضررة من التدهور البيئي خاصة.
يتضح أن ضريبة الكربون بالمغرب تقف عند تقاطع دقيق بين الالتزام البيئي والضغط الاقتصادي الخارجي، حيث يمكن اعتبارها في آن واحد أداة ضرورية لتفعيل مبدأ الوقاية وتحقيق العدالة البيئية، وشرط شبه حتمي للحفاظ على الاندماج الاقتصادي في السوق الأوروبية.
غير أن نجاح هذه الضريبة يظل رهينا ببناء نموذج وطني يربط بين الجباية البيئية والانتقال الطاقي وحماية البيئة، ويحول ضريبة الكربون من استجابة ظرفية لإكراهات MACF إلى سياسة عمومية بيئية مستدامة. ومع ذلك وبالنظر إلى أنها نظام جبائي بيئي في مراحله الجنينية لا يمكن الحكم أو تقييم تطبيقاتها ومدى آثارها البيئية والاقتصادية الحين، يعتبر الوقت غير كافي ويتطلب الأمر مدة زمنية لتقييم أجرأة هذه الضريبة.
ويمكن لجملة هذه التوصيات تعزيز التطبيق الناجع لضريبة الكربون في المغرب:
• التعجيل بإرساء ضريبة كربون وطنية واضحة وشفافة، متوافقة مع المعايير الأوروبية، بما يمكن المغرب من حماية صادراته من تبعات آلية تعديل الكربون على الحدود (MACF)
• وتحويل الالتزام البيئي إلى أداة سيادية استباقية لا إلى عبء خارجي مفروض.
• توجيه مداخيل ضريبة الكربون حصريا نحو تمويل الانتقال الطاقي والنجاعة الطاقية ودعم القطاعات والمجالات البيئية الأكثر هشاشة، ضمانا للعدالة البيئية والمجالية وتعزيزا للمقبولية الاجتماعية للإصلاح الجبائي البيئي.
• إرساء منظومة وطنية دقيقة لقياس وتتبع الانبعاثات الكربونية، قائمة على الرقمنة والذكاء الاصطناعي، تشكل أساسا تقنيا لتطبيق الضريبة، وتعزز مصداقية المغرب البيئية وتنافسيته الاقتصادية دوليا.