الطريق السيار المائي بالمغرب.. رهان استراتيجي لتدبير الفيضانات ومواجهة الجفاف وضمان الأمن

Écrit par

dans

د.عبد القادر الحافظ بريهما

يشكل الربط بين الاحواض المائية، المعروف بالطريق السيار المائي، تحولا استراتيجيا في تدبير الموارد المائية بالمغرب، اذ يقوم على نقل المياه من السدود والاحواض التي تعرف فائضا مائيا الى اخرى تعاني خصاصا متزايدا. ويندرج هذا المشروع في اطار رؤية وطنية بعيدة المدى تهدف الى ضمان الامن المائي ومواجهة تقلبات المناخ، خاصة في ظل توالي سنوات الجفاف وارتفاع الطلب على الماء الصالح للشرب والسقي.

وينطلق هذا التصور من ربط احواض ووديان بالمناطق الشمالية، مثل واد لوكوس وواد لاو، في اتجاه حوض أم الربيع مرورا بحوض أبي رقراق، عبر قنوات وأنابيب ضخمة ومنشآت تحويل متطورة. وقد تم إطلاق الشطر الإستعجالي الأول بطول يقارب 67 كلم، ما مكن من دعم التزويد بالماء في مناطق حيوية وتخفيف الضغط على السدود التي عرفت تراجعا حادا في مخزونها خلال السنوات الماضية.

وتبرز أهمية هذا المشروع بشكل اوضح مع عودة الفيضانات القوية التي شهدتها عدة مدن مغربية خلال الفترة الاخيرة، نتيجة تساقطات مطرية استثنائية ونسب ملء قياسية بعدد من السدود. فقد أعادت هذه الظواهر النقاش حول سبل تدبير الفائض المائي بدل تركه يضيع في البحر، وحول ضرورة الانتقال من منطق محلي في التدبير الى منطق وطني تضامني بين الاحواض.

وفي هذا السياق، عاشت مدينة القصر الكبير فيضانات غير مسبوقة بسبب الارتفاع الكبير في منسوب سد واد المخازن، كما عرف اقليمي سيدي قاسم والقنيطرة وضعا مشابها نتيجة ارتفاع منسوب واد سبو بعد تنفيس جزئي لسد الوحدة. وقد بينت هذه الاحداث ان الفيضانات ليست فقط خطرا يجب درؤه، بل ايضا فرصة لاعادة التفكير في طرق تثمين المياه وتوجيهها نحو المناطق التي تعاني العطش.

ويؤكد الخبراء ان ما حدث يعود الى تداخل عوامل طبيعية، من بينها توالي التساقطات منذ شهر دجنبر وتشبع التربة بالمياه، خاصة في الاحواض ذات التربة الطينية التي تعيق الامتصاص الطبيعي. غير انهم يجمعون في الوقت نفسه على ان تكرار هذه الظواهر يفرض تكييف السياسات العمومية والبنيات التحتية مع التحولات المناخية، خصوصا داخل المدن الصغرى والمناطق الهشة.

ومن هذا المنطلق، لا يعد الطريق السيار المائي مجرد حل ظرفي، بل ركيزة اساسية ضمن الاستراتيجية الوطنية للمياه، الى جانب تحلية مياه البحر وبناء السدود الكبرى والمتوسطة. وقد مكن هذا المشروع فعليا من تجنيب ملايين المواطنين ازمات عطش خانقة في مدن كبرى مثل الرباط والدار البيضاء، مع وجود خطط لتوسيعه نحو مناطق اخرى كجهة مراكش مستقبلا.

ويفتح هذا التوجه افاقا اوسع اذا ما تم التفكير في تمديده تدريجيا نحو جهات الجنوب، خاصة جهة كلميم واد نون وجهة العيون الساقية الحمراء، متى توفرت كميات كافية من المياه العذبة الفائضة. فهذه الاراضي الشاسعة تتوفر على امكانات فلاحية كبيرة، ويمكن ان تتحول على المدى المتوسط والبعيد الى سلة غذاء للمملكة ولعدد من دول اوروبا و دول غرب افريقيا.

كما ان ربط الاحواض من الشمال الى الجنوب من شأنه الحد من ضياع ملايير الامتار المكعبة من المياه التي تصب سنويا في البحر بسبب محدودية القدرة الاستيعابية للسدود الحالية، فضلا عن امكانية تثمين الموارد المائية للوديان التي تتجه شرقا في اتجاه الجزائر، وبذلك يصبح المشروع رافعة حقيقية لضمان الامن المائي والغذائي، وتجسيدا لرهان وطني يقوم على الاستباق والتضامن المجالي وحسن استثمار الثروة المائية.

إقرأ الخبر من مصدره