الحسين خاوتي
تُستدعى أحيانا عبارات سياسية حادة من الذاكرة الجماعية لأداء وظيفة تفسيرية مرتبطة بأسئلة الوطن والسلطة والتهديد. من بين هذه العبارات القولة الشهيرة المنسوبة للملك الراحل الحسن الثاني، الواردة في أحد خطاباته الموجهة إلى الشعب المغربي، حيث قال: “إذا أردت تحرير وطنك ضع في مسدسك عشر رصاصات، تسعة للخونة، وواحدة للعدو، فلولا خونة الداخل ما تجرأ عليك عدو الخارج”. استدعاء هذه القولة يظل تمهيديا، لأنه يفتح أفقا فكريا يتجاوز الشخص والعبارة، ويتصل بمنطق تاريخي عرفته دول وتجارب متعددة عبر العالم.
مصير الأوطان يتحدد من داخلها قبل أن يتأثر بعوامل الخارج، وتماسك البنية الداخلية يشكل الشرط الأول للسيادة والاستقلال والاستمرارية. هذا المعنى يتكرر في تجارب الإمبراطوريات القديمة والدول الحديثة وحركات التحرر، ويظهر بأشكال متعددة تمتد من السياسة إلى الاقتصاد والثقافة والمعرفة. الخارج، مهما بلغت قوته، يحتاج إلى أرضية داخلية تسمح له بالتأثير، وهذه الأرضية تتشكل عبر تراكمات طويلة من الخلل البنيوي.
التاريخ السياسي يقدم شواهد واضحة على أن الاختراق الخارجي يجد طريقه عبر هشاشة داخلية قائمة سلفا. الانقسام الاجتماعي، الصراع النخبوي، تآكل الثقة العامة، وتحول المؤسسات إلى أدوات مصلحية، عناصر تضعف الجبهة الوطنية وتمنح الأطراف الخارجية فرصا للتدخل. الدولة التي تمتلك مؤسسات مستقرة، وقواعد واضحة للمسؤولية، ونظاما قانونيا يحظى بالاحترام، تفرض حضورها دون حاجة إلى خطاب تعبوي دائم، لأن قوة الدولة تتأسس على انتظام بنيتها الداخلية وثبات مؤسساتها.
الداخل يتجاوز المجال السياسي الضيق، ويشمل البنية العميقة للمجتمع والدولة معا. نمط توزيع الثروة، موقع التعليم في المشروع الوطني، طبيعة العلاقة بين السلطة والمعرفة، ومستوى العدالة الاجتماعية، عناصر تصنع مناعة طويلة الأمد. شعور الفرد بأن الدولة تعبّر عنه وتحمي كرامته يحوله إلى عنصر حماية تلقائي للوطن، بينما يفتح التهميش مجالات رمزية قابلة للاختراق.
في في هذا المستوى تتحدد الخيانة كمعطى سياسي ملتبس . تحمل الكلمة حمولة أخلاقية كثيفة وتملك قدرة عالية على التعبئة والإقصاء. يرتبط معناها الدقيق بفعل واعٍ يستهدف السيادة أو سلامة القرار الوطني أو وحدة المجتمع. يضع هذا التحديد المفهوم داخل نطاق مضبوط تحكمه إجراءات قانونية دقيقة، ويؤسس فصلا مفاهيميا بينه وبين الاختلاف السياسي والنقد العمومي. يؤدي توسيع الاستعمال إلى تحويل الخيانة أداة صراع داخلي، ويبعدها عن موقعها كتوصيف قانوني محدد.
التجارب التي خلطت بين المعارضة والمس بالسيادة أفرزت مجتمعات متوترة، ومجالات عامة مشلولة، ونخبا تعيش تحت ضغط دائم. في المقابل، التجارب التي نجحت في الفصل بين النقد والتآمر استطاعت بناء توازن مستقر بين السلطة والحرية، ووفرت شروطا أفضل لحماية القرار الوطني. قوة الدولة تقوم على استيعاب التعدد وتنظيمه ضمن قواعد مشتركة تضمن الاستقرار العام.
الدولة الحديثة تقوم على شرعية مركبة، تتأسس على القانون والمؤسسات والقبول الاجتماعي. هذه الشرعية تحتاج إلى تجديد مستمر عبر سياسات عمومية عادلة، وربط فعلي بين المسؤولية والمحاسبة، وحضور حقيقي للمواطن في المجال العام.
المسار المغربي خلال العقدين الأخيرين يبرز تجربة اشتغلت على إعادة بناء هذه الشرعية عبر إصلاحات مؤسساتية متدرجة، وتوسيع فضاءات المشاركة، وتعزيز أدوار الوساطة المدنية والسياسية. هذا المسار أسهم في تقوية الجبهة الداخلية عبر تثبيت الثقة وتنظيم الاختلاف، وربط الاستقرار بفعالية المؤسسات ونجاعة السياسات العمومية، دون اختزال الوطنية في منطق تعبوي أو أمني.
كلما ترسخت عناصر الشرعية المركبة تراجع منسوب الخطر الداخلي، لأن الولاء يتحول إلى ممارسة يومية قائمة على الثقة. الشرعية التي تعتمد على الخوف تنتج استقرارا مؤقتا، وتترك آثارا عميقة في النسيج الاجتماعي. الخوف يضعف المبادرة، ويحد من الإبداع، ويغلق قنوات الوساطة بين الدولة والمجتمع. أما الشرعية القائمة على الثقة فتنتج مواطنا يقظا، قادرا على الدفاع عن وطنه دون توجيه مباشر، وقادرا على التمييز بين الخلاف المشروع والتهديد الحقيقي.
الوطنية في هذا التصور تحمل بعدا أخلاقيا وبعدا سياسيا في آن واحد. البعد الأخلاقي يرتبط بالانتماء والشعور بالمسؤولية، والبعد السياسي يرتبط بالدفاع عن المصلحة العامة واحترام القواعد المشتركة. الجمع بين البعدين ينتج مواطنة فاعلة ترى في النقد ممارسة ضرورية، وفي المشاركة حقا، وفي الالتزام بالقانون أساسا للاستقرار.
الصراع في العصر الحديث تجاوز المواجهة العسكرية المباشرة، وامتد إلى مجالات الاقتصاد والثقافة والمعرفة. التبعية الاقتصادية تفرض قيودا على القرار الوطني، وتخلق أشكالا جديدة من النفوذ غير المرئي. ضعف الإنتاج الثقافي والمعرفي يفتح المجال أمام هيمنة نماذج جاهزة تشكل الوعي العام دون مساءلة. حماية الوطن تقتضي الاستثمار في الإنسان، ودعم البحث العلمي، وتعزيز الاستقلال الثقافي باعتباره جزءا من السيادة.
السلطة التي ترى في الداخل مصدرا دائما للتهديد تعيش حالة استنفار مستمرة، وتنتج خطابا يغلب عليه الطابع الأمني. هذا النمط يعمق الفجوة بين الدولة والمجتمع، ويخلق استقرارا هشّا قابلا للاهتزاز. في المقابل، العلاقة القائمة على الشراكة تحول المواطنين إلى حماة فعليين للمشروع الوطني، وتؤسس لاستقرار أعمق وأكثر رسوخا.
الذاكرة الجماعية تحتفظ بالعبارات السياسية الحادة لأنها تختزل تجارب تاريخية معقدة، غير أن هذه الذاكرة تحتاج إلى قراءة تحليلية متجددة تربط الماضي بالحاضر وتمنع تحول التحذير إلى مبرر للإقصاء. هذا الجهد المعرفي يرفع مستوى النقاش العمومي، ويمنح الخطاب السياسي عمقا إضافيا.
الخطر الداخلي حقيقة تاريخية في مسار الدول، غير أن طريقة التعامل معه تحدد طبيعة النظام السياسي ذاته. معالجته تمر عبر الشفافية، ومحاربة الفساد، واستقلال القضاء، وتوسيع المشاركة، وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع. هذه الأدوات توفر حماية مستدامة، وتغني عن لغة حادة تفقد فعاليتها مع الزمن.
الوطن الذي ينجح في تنظيم خلافاته الداخلية، ويحوّل التنوع إلى مصدر قوة، يمتلك قدرة عالية على مواجهة التحديات الخارجية مهما تعددت أشكالها. التركيز على الداخل يصبح مدخلا للبناء حين يقترن بالعدل والمسؤولية والثقة، ويتحول إلى عبء حين يقترن بالخوف والتعميم. بين هذين المسارين يتحدد مصير الدول، وتتحدد قدرتها على الصمود في عالم شديد التعقيد