كسوة الكعبة وامتحان الوعي: في الفرق بين تعظيم الرمز واستهلاكه (صور)

Écrit par

dans

جلال اعويطا

لم تكن المملكة المغربية يومًا دولةَ تديُّنٍ استعراضيّ، ولا فضاءً للتنافس على القرب الشكلي من المقدّس، بل تشكَّلت عبر تاريخها، على تديُّنٍ عميق، صامت، ومتّزن؛ تديُّنٍ لا يطلب الشهادة على نفسه، ولا يحتاج إلى رفع الصوت لإثبات حضوره، لأنه متجذّر في السلوك، لا في الشعارات، وفي الفهم، لا في الكلام.

هو تديُّنٌ يُدرِك أن للمقدّس هيبة، وأن للرمز مجالًا، وأن القرب الحقيقي ليس دائمًا اقترابًا حسّيًا، بل وعيٌ بالمسافة الواجبة، ومعرفةٌ دقيقة بحدود اللمس وأزمنة الكفّ.

ومن هنا، فإن فهم دلالات كسوة الكعبة لا ينبغي أن يُختزل في لحظة حملٍ أو مشهد تصوير، بل في ما ترمز إليه من معنى أعمق: أن المقدّس لا يُقاس بكثرة الالتصاق به، ولا بتوظيفه في الاستهلاك الرمزي، وإنما يُقاس بحسن التعاطي معه، وبالقدرة على التمييز بين التعظيم والتعدّي، وبين الخدمة والتملّك المعنوي.

فالإهانة، في مثل هذه السياقات، لا تلحق بالكسوة نفسها، لأن الرموز الكبرى أكبر من أن تُهان بالفعل العابر أو الصورة العابرة.

إن الإهانة الحقيقية تلحق بالوعي الذي لم يستوعب معناها، وبالذهنية التي تختزل المقدّس في مادة عرض، وبالمجتمع الذي لم يُنشِّئ أبناءه على وزن الرموز، ولا على فقه الحدود الفاصلة بين التقديس والتوظيف.

وفي هذا السياق، يبرز نموذج الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله، ليس بوصفه حدثًا تاريخيًا فقط، وإنما باعتباره تجسيدًا لمدرسة كاملة في فهم العلاقة مع المقدّس.


فقد كان رحمه رمزا لمدرسةٍ تميّز بين من يحمل الرمز تواضعًا عند الخروج من الدنيا،
ومن يحمله استهلاكًا بحثًا عن موقع داخل الدنيا.
بين من يرى في الرمز أمانةً ثقيلة، ومن يراه رأسمالًا رمزيًا قابلًا للاستثمار.

ذلك هو الفارق الجوهري، وذلك هو معنى التفرد، تفرد الصمت العارف على ضجيج الادّعاء.

إقرأ الخبر من مصدره