شكلت الاجتماعات المنعقدة في مدريد يومي 8 و9 فبراير منعطفاً حاسماً في مسار ملف الصحراء المغربية، بعدما نجحت الرباط، بدعم أميركي صريح، في فرض مقاربة الواقعية السياسية كإطار ناظم وحيد للنقاش، ووضع مبادرة الحكم الذاتي في صدارة المسار التفاوضي بوصفها المرجعية التقنية الوحيدة المطروحة. هذا التطور، الذي جاء بعد أكثر من ست سنوات من الجمود، يعكس تحوّلاً نوعياً في موازين التفاوض، ويُسجَّل كإنجاز دبلوماسي بارز للمغرب.
اللقاء، الذي احتضنته السفارة الأميركية في العاصمة الإسبانية، جمع المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو، تحت إشراف مباشر من الولايات المتحدة وبحضور الأمم المتحدة. وقد أصرّت واشنطن على فرض تعتيم إعلامي كامل، في إشارة إلى حساسية المرحلة ورغبة الإدارة الأميركية في التحكم بمسار العملية السياسية ونتائجها، بعيداً عن المناورات الإعلامية والتوظيف الدعائي.
الاختراق الأبرز الذي تحقق في مدريد تمثل في الاتفاق على إنشاء لجنة تقنية دائمة من الخبراء القانونيين، مهمتها دراسة آليات التنفيذ العملي لمقترح الحكم الذاتي المغربي. ووفق مصادر متطابقة، فقد تم الاعتراف، بما في ذلك من قبل أطراف كانت تتحفظ سابقاً، بأن المبادرة المغربية المحدّثة، في نسختها المفصلة التي تتجاوز أربعين صفحة، هي الوثيقة التقنية الوحيدة القابلة للنقاش، ما أنهى عملياً مرحلة “تعدد المقترحات” التي عطلت المسار السياسي لسنوات.
هذا التطور لم يكن معزولاً عن السياق الدولي العام. فالولايات المتحدة، التي تعترف بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية منذ سنوات، انتقلت من موقع الدعم السياسي إلى ممارسة ضغط دبلوماسي فعلي لدفع الأطراف نحو مناقشة كيفية تنزيل الحكم الذاتي، بدل الاستمرار في جدل نظري حول خيارات ثبت استحالتها. كما أن قرار مجلس الأمن الأخير، الذي وصف الحكم الذاتي بـ”الحل الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق”، وفّر غطاءً دولياً إضافياً لهذا التوجه.
المغرب، من جانبه، دخل جولة مدريد وهو في موقع قوة، مستنداً إلى دعم متزايد من شركائه الدوليين، وإلى خطاب سياسي يربط بين الاستقرار الإقليمي والتنمية وبين إنهاء النزاع على أساس سيادته الوطنية. المبادرة المغربية، بصيغتها الجديدة، قدّمت تصوراً متكاملاً للحكامة المحلية، يشمل الصلاحيات المالية، والتنظيم القضائي، والأمن المحلي، بما يعكس انتقال الرباط من الدفاع عن المبدأ إلى عرض نموذج حكم عملي وقابل للتنفيذ.
في المقابل، بدا أن جبهة البوليساريو ومعها الجزائر تواجهان ضغطاً غير مسبوق. فرغم التمسك الخطابي بمفهوم تقرير المصير بصيغته التقليدية، إلا أن الدينامية التي فرضتها واشنطن جعلت هذا الطرح في موقع دفاعي، خاصة في ظل غياب أي مقترح بديل ذي مضمون مؤسساتي أو تقني. كما أن رفض الجزائر الظهور في صورة جماعية مع الوفد المغربي عكس حرجاً سياسياً أكثر مما عبّر عن موقف تفاوضي فعلي، في وقت تشارك فيه الجزائر بشكل مباشر في كل تفاصيل النقاش.
الضغط الأميركي تجلّى أيضاً في الاتفاق على خارطة طريق واضحة، أُطلق عليها اسم “مدريد 2026”، تحدد مساراً زمنياً دقيقاً يقود إلى اجتماع مفصلي في واشنطن خلال شهر مايو المقبل، بهدف توقيع اتفاق إطار سياسي. هذه الخارطة تنقل الملف من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة السعي نحو التسوية، وتضع الأطراف أمام مسؤوليات واضحة ومواعيد نهائية.
ورغم بعض التوترات الميدانية المحدودة التي رافقت الاجتماع، فإن الرسالة الأساسية التي خرجت من مدريد كانت سياسية بامتياز: المجتمع الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، لم يعد مستعداً لإدارة نزاع مفتوح بلا أفق، وأن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية بات الإطار الوحيد الذي يحظى بالجدية والدعم اللازمين للانتقال إلى التنفيذ.
بالنسبة للرباط، فإن ما تحقق في مدريد يُعد تتويجاً لسنوات من العمل الدبلوماسي الهادئ، القائم على بناء التحالفات، وترسيخ خطاب الواقعية، وربط الحل السياسي بالاستقرار والتنمية. أما جولة واشنطن المقبلة، فستكون اختباراً لقدرة الأطراف الأخرى على التكيف مع هذا التحول، أو الاستمرار في مواقف باتت معزولة عن موازين القوى الدولية.