الخط : A- A+
مرت ثلاثة أيام على البلاغ الذي نشرته وزارة الخارجية الأمريكية، باسم البعثة الأمريكية لدى الأمم المتحدة، والمتعلق باللقاء الرباعي الذي تم في سفارتها بالعاصمة الإسبانية مدريد، ولحد الساعة لم يصدر أي بلاغ أو تعليق عن الوفود أو الدول التي حضرت اللقاء، ولا عن مخرجاته. وهو ما يدل على أن واشنطن أخذت زمام المبادرة كلها، والإشراف الكلي على أطوار مسلسل إغلاق الملف، من تنظيم اللقاء إلى تحديد جدول أعماله بناء على القرار الأممي، وانتهاء بتدبير العملية التواصلية بخصوصه.
والواضح أن الإدارة الأمريكية الجديدة، ومنذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، عندما قررت أن تتولى تدبير الحل قي قضية المغرب المقدسة، تجاوزت ما ظل يشكل سلوكها السابق، والمتمثل في دورها كـ«حاملة القلم»، يقف دورها عند صدور القرارات، بدون تتبع عمليات التطبيق والتنزيل.
لهذا كانت المفاوضات التي يقودها المبعوثون الخاصون للأمناء العامين، لاسيما الأمين العام الأخير أنطونيو غوتيريس، من الألماني ارنست كوهلر إلى السويدي الإيطالي ستيفان دي ميستورا، تتعرض وتخضع للتقلبات السياسية والتوازنات. ومدى انخراط الإدارات الأمريكية.. أو ترددها وبالتالي كان حمار الشيخ غوتيريس يقف دوما في عقبة رفض الطرفين الخصمين في النزاع، البوليساريو الجزائر !
كان اعتراف الولايات المتحدة تغييرا جوهريا في عمل الأمم المتحدة بخصوص الصحراء. بالرغم من السنوات التي «جمَّدت» فيها واشنطن مبادراتها بخصوص القضية الوطنية، فإن الزخم الذي عاد مع عودة دونالد ترامب، كان من نتيجته أن تغيرت طبيعة المعالجة الأممية، من ثلاث زوايا على الأقل، منها زاويتان مشتركتان مع الأمم المتحدة ضمن مسار أمريكي أممي مشترك وزاوية تخضع لمسار أمريكي محض:
– أولا انتقال القرارات الأممية إلى الدعم الواضح والعلني لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية..
وفي هذا السياق جاء قرار 2797، والذي يشكل من زاوية نظر المغرب انتصارا له، ومن زاوية واشنطن انسجاما مع قناعاتها وموقفها المعلن عنه في دجنبر 2020 عبر الاعتراف بسيادة المغرب على صحرائه من طرف دونالد ترامب في ولايته الأولى..
ويعتبر القرار رقم 2797 أن «الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية يمكن أن يشكل الحل الأكثر جدوى».
– ثانيا: تفعيل القرار الأممي المذكور في شقه العملي، باعتبار الدعوة «إلى الانخراط في مفاوضات على أساس مبادرة الحكم الذاتي، وباعتباره خطوة مهمة نحو التوصل إلى حل سياسي نهائي ومستدام لهذه القضية»..
وذلك برعاية اللقاء الرباعي في مدريد، بحضور أممي متمثلا في السيد ستيفان ديميستورا.. باعتباره الممثل الشخصي للأمين العام الأممي غوتيريس.. مع الحرص على تعيين مبعوث شخصي خاص، للرئيس الأمريكي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، هو السيد مسعد بولوس، الذي قام برحلات مكوكية عديدة في المنطقة لاسيما العاصمة الجزائرية لنقل المواقف والقرارات العملية لدى الإدارة الأمريكية الجديدة.
وقد ظل بولس حاضرا في المشهد الإعلامي في تزايد مواقف واشنطن والمضمون العملي للقرارات الدولية الخاصة بالقضية.
إلى ذلك يضاف حضور الممثل الدائم لدى الأمم المتحدة مايك والتز، وهو الذي كان وراء كل المفاوضات حول القرار، 2797 إلى اللقاء، في مدريد، كما وقعت الخارجية البلاغ عنه باسم البعثة التي يرأسها..
أما في المسار الأمريكي الخاص، فنستحضر دخول ستيف ويتكوف، مبعوث الرئيس الأمريكي الخاص للشرق الأوسط على الخط، مباشرة بعد مصادقة مجلس الأمن على القرار الأممي المذكور أعلاه… وإعلانه عن مساعي فريقه لتحقيق “اتفاق سلام” بين المغرب والجزائر خلال 60 يوماً..
وبالرغم من التحليل الذي يقول بأن الآجال التي وضعها ويتكوف انقضت، بدون حصول الاتفاق، إلا أنه لا يمكن أن لا نربط بين اللقاء في مدريد وبين ما أعلنه المبعوث ويتكوف عن اتفاق سلام بين البلدين الجارين.
وفي السياق ذاته، يمكن القول بأن تنقية الطريق نحو تفاهم الجارين، صار أكثر إمكانية مع نجاح اللقاء الأول والانتقال إلى مرحلة المحادثات حول ظروف تنزيل الحل وتفاصيله.
وخلاصة القول، إن الولايات المتحدة انتقلت، في أقل من ثلاثة أشهر من دور حاملة القلم، في القضية الوطنية إلى الراعية العملية لتنفيذ ما اتفقت عليه الشرعية الدولية.