كتابات أجنبية حول المغرب

Écrit par

dans


عبد الإله بسكمار

لم يكن المغرب الأقصى بلدًا جديدًا أو مجهولًا على وجه العموم بالنسبة للدارسين والباحثين الأجانب، ولكن نسبية هذا الطرح تقتضي التفريق بين المناطق الداخلية للبلاد، التي ظلت في أغلبها مغمورة غير معروفة، مقابل الجهات الساحلية، التي كانت شبه مفتوحة ويعرفها كثير من المستكشفين والرحّالين، جزءًا أو كُلًّا، إما بدوافع الجاسوسية والحوافز الاستعمارية، أو للتجارة مع المغاربة، أو إقامة نوع من العلاقات الدبلوماسية، أو لمجرّد الفضول وحب الاكتشاف. ففي حين كان الأجنبي (النصراني خاصة) مقبولًا نسبيًا في المدن الشاطئية، غلب التحفُّظ ورفض الأجانب الغرباء، كلما تعمّقنا داخل البلاد.

استمرّت هذه الظاهرة حتى فترة الحماية الفرنسية، لعب فيها البعد الديني دورًا هامًا، علاوة على اختلاف العادات والقيم والثقافة والتمثّلات الفكرية والاجتماعية للواقع، ما أثّر على البنية البشرية ككل، كما يذهب إلى ذلك إيدموند بورك (Edmund Burke)، خاصة في الشق السياسي، حيث يشير إلى العلاقات التي ربطها الأعيان المسلمون المقيمون في المدن/المراسي مع الأوروبيين وبمساعدة عناصر من المخزن (القرن 19 خاصة)، بينما استمرّت بالداخل الأشكال القديمة للعلاقات السياسية، ووصف الأمر بالنسبة لأعيان الشواطئ بأسلوب جديد من السياسة سابق وممهّد للاستعمار.

على المستوى الداخلي للبلاد، يصحّ التأكيد أن الرحّالين الذين استطاعوا أن يتعمّقوا في أغوار المجتمع المغربي، هم من كانوا يمتلكون حسّ المغامرة ومعرفة معتبرة بثقافة المغاربة، ولم يتحقّق ذلك إلا في التنكّر بهيئة اليهود مثلًا، إذ إن الشخص اليهودي كنموذج كان مقبولًا بصفة عامة في المجتمع المغربي، على خلاف الشخص المسيحي أو النصراني خلال هذه الفترات التاريخية. وقد يُلجأ إلى ارتداء لباس المغاربة أنفسهم وادّعاء اعتناق الإسلام، كما حصل بالنسبة للرحالة الإسباني القطلاني دومينغو باديا إي ليبليش (Domingo Badia y Leblich)، الذي تظاهر بأنه رحالة مسلم وتسمى بعلي باي العباسي، وقد زار المغرب ومنه منطقة تازة سنة 1805م، أي في عهد السلطان مولاي سليمان العلوي.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

يمكن التأكيد أيضًا أنه كلما كان توغّل الأوروبيين في الداخل عميقًا، كانت المغامرة “ناجحة”، ويتضح ذلك من خلال رحلة الماركيز دوسيكونزاك (Marquis De Segonzac) والتي وصلتنا عبر كتابه “أسفار إلى المغرب” (Voyages au Maroc) فيما بين 1899 و1901، الذي تنكّر في هوية تاجر ليبي مسلم تحت اسم أحمد بن مجّاد، وكان يتحدث اللغة العربية، بل ولم يتردّد في إقامة الشعائر الدينية بالمساجد وذلك حتى لا يُشتبَه في أمره. كما نذكر تنكّر الراهب الجاسوس شارل دوفوكو (Charles De Foucauld) في زي يهودي، خلال رحلته للمغرب ما بين 1883 و1884، والتي عُدّت في وقتها فتحًا مبينًا بالنسبة لفرنسا وخاصة ضمن أوساطها الاستعمارية، وكذا دولامارتينيير (De Lamartinière) الذي اتّخذ صفة يهودي مغربي سنة 1891.

في حقيقة الأمر، فإن أهمية التعرّف على رأي الآخر فينا، وعلى الخصوص من طينة الذين كانوا يتربّصون الدوائر بحريتنا واستقلالنا، هو عنصر أساس في فهم واستيعاب ما يمكن وصفه بـ”ثقافة المرآة”، أي كيف ينظر الآخر إلينا، بمعتقداتنا وعلاقاتنا الاجتماعية وأفكارنا وتمثّلاتنا المختلفة.

في هذا السياق، نستطيع تحديد وصول الرحّالين والمستكشفين الأجانب إلى المغرب، بدءًا من القرن السادس عشر الميلادي، ويبدو أن أول نص غير مطبوع في متناول الباحثين حول المغرب، هو الذي دوّنه الرحالة الفرنسي جان موكي (Jean Mocquet) وقد ظهر سنة 1617، دون أن يعني هذا غياب الاحتكاك مع المسيحيين والأوروبيين (فرنسيين وإنجليز وإسبان وألمان وغيرهم) قبل ذلك وخلال العصور الوسطى ثم الفترة الحديثة، مع ما يحيل عليه الأمر من صراع في أحيان كثيرة ووفاق في مراحل قليلة، منذ فتح الأندلس، مرورًا بمحاربة النورمان ومقارعة الإمارات المسيحية، في إطار الدفاع عن الإسلام بشبه الجزيرة الإيبيرية، وكذا أنشطة التجار والقناصل والرحّالين، وانتهاء باحتلال الشواطئ المغربية من طرف الإسبان والبرتغال.

توازى مع هذا الوضع نشاط المبشرين وكتابات الجنود والمغامرين والمبعوثين الدبلوماسيين، وتدخل ضمن ذات السياق أيضًا العلاقات التجارية مع البندقية أو جنوا أو إنجلترا وإسبانيا وفرنسا وغيرها من دول أوربا، وإنما القصد هنا فئات المستكشفين والرحّالين، الذين خلّفوا كتابات متنوعة وغزيرة، ودوّنوا مشاهداتهم في المغرب، ولا نقصد غيرهم ممن مروا من البلاد ولكن لم يكتبوا شيئًا ولم يدوّنوا أمورًا ذات قيمة معينة.

إذا كان الإنجليز قد سبقوا في الحقيقة إلى التعرّف على بلاد المغرب عمومًا، فإن الفرنسيين بحكم شروط تاريخية ومجالية معينة حذوا حذو الإنجليز. وهنا نذكر رحلة التاجر المارسيلي رولان فريجوس (Fréjus Roland) إلى سلطان المغرب المولى الرشيد واقتباله بتازة سنة 1666 من خلال التقرير “رحلة إلى موريطانيا وإفريقيا بأمر من جلالة الملك، لأجل إقامة مشاريع تجارية على امتداد مملكة فاس” (Relation d’un Voyage fait dans la Mauritanie en Afrique par ordre de sa majesté en l’année 1666). وإلى جانب الفرنسيين لا بد من ذكر الإسبان، خاصة في المراحل الأولى، التي تحيل على زيارات ذات طابع رحلي ولها علاقة بالأسر والأسرى في كثير من الحالات، أو الميزات السفارية والتجسسية. ويمكن اعتبار الإسباني مارمول كارفاخال (Luis Del Marmol Carvajal) من أوائل من نحا هذا الاتجاه عبر كتابه “إفريقيا” المترجم إلى اللغة العربية عن الفرنسية من طرف محمد حجي – محمد زنيبر وآخرين (الكتاب أُلِّف أصلًا بعد سنة 1571م).

يتضمن الجزء الأول الأحداث التاريخية، سواء المتعلقة بالجزيرة العربية، منذ ظهور الإسلام وحتى التوسع العثماني، أو تلك التي تخص شمال إفريقيا، وقد كان يُطلِق على ساكنتها أسماء مثل “الأفارقة” و”البربر” و”سكان إفريقيا” أو “الموريطانيين”. أما القسم الثاني من الكتاب، فهو يصف الأمكنة والمدن والمناطق بشمال إفريقيا. وقد أخذ كارفاخال جزءًا كبيرًا من معلوماته عن الحسن بن محمد الوزان المعروف بليون الإفريقي (Léon L’Africain) من خلال كتابه المعروف “وصف إفريقيا”، علمًا بأنه تفصل بين كتابيهما حوالي أربعين سنة. كما تميزت كتابته بروح صليبية واضحة، تحمل عداءً دفينًا للعرب والمسلمين. ورغم ذلك، فهو لا يخلو من إفادات هامة، تاريخية ومجالية، تخص كل إفريقيا وشمالها الذي يهمنا أكثر من غيره.

يمثل كارفاخال إلى جانب ليون الإفريقي نماذج الكتابات الرحلية (نضيف الجاسوسية بالنسبة لكارفاخال) تحت تأثير وضعية خاصة محددة، فقد ظل الرجل أسيرًا عند السعديين طيلة سبعة أعوام، وكان مع ذلك يرافق السلاطين وجيوشهم. وإلى جانب هذا، يمكن ذكر كتابات الأسرى والقناصل كلامارتينيير (La Marinière) وغالوني (Galloni) ومووييت (Mouette)، لكن عروض هؤلاء اقتصرت على وصف بعض معالم البلاد والشخصيات، لأن همّهم الأساس كان هو نقل وضعية الأسرى الفرنسيين بالمغرب، خلال النصف الثاني من القرن السابع عشر بغاية تحريرهم أو فك أسرهم. ومما يلاحظ تداخل الكتابات الرحلية بتلك التي تصف معاناة الأسرى المسيحيين، وهذا الاتجاه امتد إلى زمن القرصنة في القرن الذي يليه. وقد أثّث بعد هذه المرحلة من معرفة المغرب كل من الرهبان والجنود والمخبرين والدبلوماسيين والمغامرين والأدباء والمستكشفين.

اختلفت كتابات هؤلاء، انطلاقًا من اليوميات ومرورًا بالسرد التوثيقي والمتون التراسلية والرحلية (نموذج رحلة تيسو (Tesso) سنة 1876)، ومذكرات السفر والسرديات التاريخية والنشاط السياسي (مذكرات الدبلوماسي لويس شينييه (Louis Chénier) كمثال واضح، والذي عاصر فترة المولى محمد بن عبد الله العلوي)، والتحقيقات الصحفية، وانتهاء بإنجاز نصوص وصفية أو انطباعية، حول منطقة معينة أو مدينة محددة أو سلطان ما. غير أن ما يجمع بينها، يتمثل في المعلومات ذات الطابع التاريخي، باعتبار المسافة الزمنية التي تفصل بيننا وبينها، مما يجعل الكثير منها مصنفًا ضمن خانة الوثائق والمستندات التاريخية، ومن شروطها العلمية أن تتوافق مع المؤلفات المعنية والمصادر الهامة لتاريخ المغرب.

تأتي بعدها المرحلة الأدبية العجائبية، ويمثل نموذجها الفنان أوجين دولاكروا (Eugene Delacroix) الذي جاء إلى المغرب في بعثة مورناي نحو بلاط السلطان مولاي عبد الرحمان بن هشام سنة 1832، والباحث بيير لوتي (Pierre Loti)، الكاتب والعسكري الفرنسي (انطلاقًا من كتابه الشاعري “في المغرب” (Au Maroc)). ولم تزد في الحقيقة عن تصوير البعد الغرائبي للدولة والمجتمع المغربيين، كرسم السلطان وحاشيته ورحلات الصيد وبعض الحفلات الاجتماعية الترفيهية مثل الفانتازيا والزواج وغيرهما، كما جسّدتها اللوحات الشهيرة لدولاكروا وكذا ملاحظاته ووصفياته ضمن دفتر مذكراته. وقبيل ظهور المرحلة الأخيرة، التي انطلقت على وجه العموم مع إعلان الحماية، برزت كتابات تمهّد للفترة الانتقالية بين انغلاق البلاد وتفتّحها على الخارج، مع يوجين أوبان كنموذج (Eugène Aubin) من خلال كتابه “مغرب اليوم” (Le Maroc d’aujourd’hui) الصادر سنة 1904، علمًا بأن التصنيف هنا لا ينطبق بالضرورة على المراحل التاريخية، فهو يقوم على أساس نوعية الكتابة وجنسها بشكل عام. ثم نذكر هنا وثائق الطبيب رينو (Raynaud) وخاصة كتابه “دراسة في الصحة والطب بالمغرب” (Etude sur l’hygiène et la médecine au Maroc) والذي صدر سنة 1902، وأيضًا كتابات الطبيب فريديريك وايسجيربر (Weisgerber Fréderic).

شكّل احتلال الجزائر سنة 1830 نقلة نوعية في المناورات والتحرشات الاستعمارية، التي تستهدف المغرب، وزاد في الطين بلة هزيمة الجيش المغربي في معركة إيسلي (منتصف غشت 1844) نتيجة دعمه لمقاومة الجزائر. ثم جاءت حرب تطوان فيما بين 1859 و1860 التي أدت إلى احتلال المدينة وفرض غرامات باهظة على المخزن، لم تؤدَّ بصفة نهائية إلا في عهد الحسن الأول (1873 – 1894). فبدأت أنظار الاستعماريين بالجزائر تتجه نحو مدّ النفوذ الفرنسي تجاه المغرب، أو على الأقل تركيزًا على المنطقة الشرقية، وصولًا إلى حوض ملوية وممر تازة، تارة باسم فتح الأسواق والمجالات التجارية، وتارة أخرى بزعم تعدّي القبائل على التراب الجزائري المحتل وضمان ما كان يسمى بالأمن على الحدود، وتارة ثالثة باسم القضاء على الفوضى وتحضير البلاد (من الحضارة؟! كذا!!).

على هذا النحو، أصبح المغرب اعتبارًا من نهاية القرن التاسع عشر قبلة للجواسيس والمخبرين تحت أسماء شتى، وشكّلت سنة 1884 لحظة فارقة في هذا المجال، إذ شهدت صدور كتاب “التعرّف على المغرب” أو “استكشاف المغرب” (RECONNAISSANCE AU MAROC) للراهب والجاسوس الفرنسي شارل دوفوكو (Charles De Foucauld)، والذي اعتبر بحق فاتحة مرحلة جديدة في معرفة واكتشاف المغرب الأقصى، هي الموصوفة بـ”المرحلة العلمية”. وقد توّجت هذه الأنشطة التعريفية ومهّدت في نفس الوقت لتأسيس البعثة العلمية سنة 1903-1904، وبات الارتكاز الأساس على الباحثين في علم الاجتماع والأنتروبولوجيين والجغرافيين والإثنوغرافيين واللسانيين والعلماء، وتم تجاوز ما يمكن وصفه بالكتابة الأدبية والرحلية والدبلوماسية، مع التركيز أساسًا على المرامي العسكرية البعيدة، ما يعني تقديم المعلومات الضرورية للجيش الفرنسي، ومن ثمّة، تحديد الوسائل والطرق الناجعة للاحتلال بكل وضوح. أو كما علّق الأستاذ سمير بوزويتة، ففوكو لم يعتبر رحلته “إلا كمساهمة منه في تقديم المغرب إلى ليوطي (سبق أن التقاه في صحراء الجزائر) وفرنسا في آن واحد”.

تقدّم الرحلة إياها والتي تمت بين 20 يونيو 1883 و23 ماي 1884 أوصافًا دقيقة على نحو يدعو للعجب أحيانًا، حول المجال الجغرافي والتضاريسي والمناخي للمغرب، الذي استطاع عبوره والتنقل من شماله الغربي (طنجة – تطوان) إلى جنوبه وحتى صحرائه، فضلًا عن شرقه. أما غرب البلاد (نقصد غرب مكناس ومعظم الساحل الأطلسي باستثناء طنجة والصويرة “موغادور”) فقد كان معروفًا بشكل عام لديه. ويلاحظ الأستاذ المرحوم محمد حجي أن دوفوكو كان موضوعيًا ودقيقًا في ملاحظاته الجغرافية وفي معظم إشاراته التاريخية، “إلا عندما تجمح به خلفياته الاستعمارية، فلا يسلم من لمزاته القدحية حكام ولا محكومون”.

بما أن التركيز أساسًا كان على اكتشاف المناطق التي ظلّت مجهولة، كجبال الأطلس والريف وحوض إيناون وملوية والسوس، فإن دوفوكو استطاع التعمّق ولأول مرة في أكثر هذه المناطق، باستثناء مناطق وسط وشرق الريف وأجزاء من الأطلس، التي يبدو أنه لم يستطع المرور عبرها لأسباب، ربما تتعلق بالأمن أو بغياب الطرق والمسالك الضرورية، أو خوفًا على نفسه ببساطة. قلنا لأول مرة، لأننا نطّلع في كتابه (المؤلَّف من 351 صفحة / القطع المتوسط، وهو من ترجمة الراحل المختار بلعربي) على عناصر البيئة والتضاريس وأجواء المناطق التي مرّ بها، فضلًا عن الخصائص البشرية والاقتصادية والاجتماعية، والعادات والتقاليد والمجالات الرمزية للتجمعات القبلية والمدن معًا.

لقد سلك دوفوكو المقاطع الطرقية التالية: من طنجة (اعتبارًا لمنطلقه المتمثل في الجزائر عبر البحر) إلى مكناس ففاس ثم تازة، عبر الطريق الأقصر الموازي لممرها أو لوادي إيناون، وقد وصفه بأنه الأخطر، لسيطرة قبيلة غياثة عليه. وأصرّ على عبوره رفقة أحد الزطّاطين (الشخص الدليل المرافق) مع أنه يعرف الطريق الآخر المنطلق من عنق الجمل فأراضي الحياينة، ثم التسول ومكناسة وصولًا إلى تازة. ومن هذه الأخيرة، صعد جنوبًا نحو صفرو ثم عاد إلى فاس فمكناس، واتجه إلى أبي الجعد فقصبة تادلة ثم قصبة بني ملال ووازيغت وزاوية سيدي رحال وتيكيرت، مع وصف دقيق لجبال الأطلس بسلاسلها الثلاثة. ومن ثمّ، أخذ طريق الصحراء (تيسنت – طاطا – المعدر وآقا وموكادور وأولاد الصغير وتازناخت ودادس وقصر السوق أي الراشيدية حالياً وقصابي الشرفاء وأوطاط الحاج ودبدو) ثم للا مغنية أخيرًا. ومن أطرف ما رواه أن أجرة الزطّاط تزداد كلما زادت خطورة القبائل التي يمرّ بها.

صدر سنة 1895 كتاب “المغرب المجهول” (MAROC INCONNU) للإثنوغرافي والمبشّر المسيحي أوجست مولييراس (August Mouleras)، وهو عبارة عن وصف دقيق لأحوال قبائل الريف خاصة جبالة، من حيث العادات والتقاليد والمراكز السكنية. وفي تصوّره أنه لا تكفي القوة العسكرية لإخضاع المنطقة، بل لا بد من التمهيد الفكري وخاصة الديني، وهو يقصد أنشطة تنصير المغاربة حتى يسهل انقيادهم…

لقد خلّفت رحلة دوفوكو صدى عميقًا في الأوساط العلمية والاستعمارية الفرنسية كما سبق القول، لأنها شكلت بداية مرحلة جديدة في استكشاف المغرب (الداخلي خاصة)، وأثارت في المقابل رغبة العديد من الدارسين، سواء كانوا مهتمين أو مغامرين أو ضباطًا عسكريين أو جواسيس، لتنظيم رحلات إلى نفس المناطق بل وما يتجاوزها أيضًا. من هنا جاءت رحلة الماركيز دوسيكونزاك (Le Marquis De Segonzac) إلى المغرب بين سنتي 1899 و1901.

اعتبر دوسيكونزاك رحلته تكملة لما قام به شارل دوفوكو، حيث تفادى الطرق التي مرّ بها هذا الأخير، كي لا يكرّر نفس الملاحظات التي سجّلها سلفه، ومن ثمّة، يمكن له الحصول على معلومات إضافية. فقد تعمّق في الريف (بني توزين – جزناية – بني ورياغل – قلعية – بقيوة …) وحوض ورغة وبلاد جبالة وقبائلها كالتسول والبرانس والحياينة وبني زروال. كما أنه ولج إلى تازة انطلاقًا من الجنوب، أي أعالي ملوية، مرورًا بالأطلس المتوسط ووصولًا إلى أسافل ملوية عند جرسيف ثم مسون وجلدامان فتازة. علمًا بأنه سلك نفس أسلوب فوكو في إيراد المعلومات عبر جنس اليوميات. ولا تخلو رحلة الماركيز من إضافات أساسية ومعلومات جديدة تخص العادات والتقاليد، التي ميزت قبائل الأطلس المتوسط وحوض ملوية والريف والسوس.

عند توقيع عقد الحماية في 30 مارس 1912، كانت الدراسات والأبحاث قد انطلقت فعليًا قبل ذلك، وهناك نماذج كثيرة، ظل هدفها الأساس إجرائيًا عمليًا، يتمثل في معرفة أكبر قدر ممكن من المجال المستعمَر، على مستوى الجغرافيا والتضاريس (المسالك الضرورية للمرور – الجهات الصعبة تضاريسيًا – الأودية والمضايق الجبلية والعيون وغيرها) ونوعية المناخ، وخاصة دراسة الساكنة، من حيث رأسمالها الرمزي وتمثلاتها للزمان والمكان، وطريقة تدبير شؤونها، وعلاقاتها بالقبائل الأخرى أو بالمخزن. وكل هذا بلا شك، يخدم المشروع الاستعماري دون غيره، باعتبار ضرورة إحاطة الإدارة الاستعمارية بمختلف التفاصيل الضرورية لاحتلال المغرب واستغلاله. ولا غرابة في ذلك، لأن أغلب هؤلاء “الباحثين” كانوا إما ضباطًا عسكريين أو ضباطًا للشؤون الأهلية أو مراقبين مدنيين أو مسيّرين تابعين مباشرة لإدارة الحماية الفرنسية.

لقد تركزت كتابات هؤلاء على المحاور التالية:

سرد تاريخ المغرب أو أحداث هامة معاصرة لهم، تتعلق بالسلطان والمخزن والمجتمع المغربي، ونموذج ذلك كتاب “على عتبة المغرب الحديث” (Au SEUIL DU MAROC MODERNE) الصادر سنة 1947 للطبيب والجغرافي فريديريك وايسجربير (Fréderic Weisgerber)، ومن خلاله وصف وسائل وأنشطة المخزن، كالحَرَكات والمحلات وأوضاع الجيش وحالة بعض المدن والبوادي، منذ وفاة المولى الحسن الأول (1894) وحتى احتلال مراكش وتوقيع عهد الحماية سنة 1912. ويماثله من حيث موضوع البحث “زمن المحلات السلطانية أو المغرب من 1860 إلى 1912” (Au temps des Mhalas) للويس أرنو (Louis Arnaud). وبالمناسبة، فقد كتب الصحافي الإنجليزي والتر هاريس أربعة مؤلفات حول المغرب في عهد السلاطين مع وصف للبلاد (Morocco: that was). كما يجدر ذكر هنري تيراس (HENRI TERRASSE) في تاريخ المغرب (HISTOIRE DU MAROC) الصادر سنة 1930 وغيرها، ونحن نكتفي بنماذج فقط لضيق المجال والسياق.

وصف شامل لبعض المدن والمناطق المغربية أو أجزاء منها، إضافة إلى القبائل، على نحو ما نجد عند الضابط/ الباحث لويس فوانو (Louis Voinot) “وجدة والعمالة” (Oujda et L’Amalat) المترجم من طرف الأستاذ محمد لغرايب سنة 2009 عن مطابع الرباط نيت، وهنري تيراس (Henri Terrass) في “تازة نبذة تاريخية وأركيولوجية” (Taza Notice historique et Archéologique)، وعمل لويس جنتي (Louis Gentille) “ملاحظات حول قبائل المغرب الشرقي” (Notes sur les Tribus du Maroc Oriental)، وكتابات ميشو بيلير (Michaux Bellaire) حول قبائل الهبط والغرب، والحدود المغربية الجزائرية كما وصفها أغوستان برنار (Augustin Bernard) وروبير مونتاني (Robert Montagne) في كتابه “البربر والمخزن في جنوب المغرب” (Les Berbères et le Makhzen dans le sud du Maroc) إلخ…

تقديم صفحات من الحرب الاستعمارية المسماة عندهم حرب التهدئة (Guerre de Pacification)، أي قمع التمرّدات والثورات باسم السلطان، والتي قامت بها قبائل المغرب دفاعًا عن أرضها ووطنها. وهنا تعدّدت المواكبات وتكاثرت التقارير والمؤلفات، ونقتصر على نماذج منها: – القبطان كوسان (Capitaine Caussin) وكتابه “نحو تازة” (Vers Taza)، والضابط فوانو (Voinot) “على الخطى المجيدة (…) لمهدّئي المغرب” (Sur les traces glorieuses des pacificateurs du Maroc)، وجان أجلبير (Jean Ajalbert) وكتابه “المغرب بدون ألمان – سفر حرب 1916” (Le Maroc sans les Boches, voyage de Guerre). وحول حرب الريف التحررية نذكر على سبيل المثال لا الحصر كتاب ليون غبريلي (Léon Gabrieli) “عبد الكريم وأحداث الريف” (Abdelkrim et les événements du Rif: 1924 – 1926).

وهناك قسم آخر اهتم ببعض المعالم أو المؤسسات الدينية والسياسية كالزوايا والأضرحة والمساجد، ومن نماذجه ميشون بيلير في كتابه “دار وزان” (La maison d’Ouazzan)، ومارتي (Marty) من خلال كتابه “الزوايا المغربية والمخزن” (Les Zaouïas marocaines et le Makhzen)، وغيرها كثير.

وعلى العموم، فالمفارز العريضة لخطاب تلك الدراسات والتقارير حول المغرب، تشترك إلى حد بعيد في محاور نوجزها كما يلي:

ساكنة فقيرة تعيش على الكفاف، وتتحفّظ من الأجنبي، وتتشبّث باستقلاليتها والعادات والتقاليد (الدين – العرف…).

دولة مخزنية متهالكة قائمة على الضرائب وقمع كل تمرد.

ازدواجية التراب المغربي، بين بلاد “السيبة” وبلاد “المخزن”.

الرسالة “الحضارية” لفرنسا التي حمل معها جيشها كل أسباب “التحضّر” و”التقدّم”.

اعتبار المقاومين مجرّد متمرّدين أو منشقّين («Dissidents»)، وأحيانًا صعاليك («Salopards»).

كل هذه الخصائص لم تحجب مع ذلك الصورة الأخرى الإيجابية، وتتمثل في وجود باحثين فرنسيين منصفين ومتعاطفين أحيانًا مع المغرب المستقل، كماسينيون وجاك بيرك وليفي بروفنسال وشارل أندري جوليان ودنييل ريفي وبول باسكون.

إقرأ الخبر من مصدره