بوشعيب حمراوي
ليس من الغريب، في زمن اختلاط الأصوات وتراجع المعايير، أن يطفو على السطح أشخاص يدّعون الثقافة والمعرفة في كل شيء. يتحدثون بثقة مطلقة، وكأنهم بلغوا كمال العقل، أو امتلكوا مفاتيح الحقيقة وحدهم، فينصّبون أنفسهم أوصياء على الوعي العام، وحَكَمًا على الأفكار والآراء، دون أن يمروا بمسار علمي أو معرفي، أو يراكموا تجربة أو خبرة حقيقية. كائنات بشرية نبتت كالفطر في العوالم الرقمية والواقعية، بعد مطرٍ عابر، بلا جذور في تربة الوطن، ولا صلة عميقة بالمواطنة، ولا إحساس بالمسؤولية الأخلاقية التي تفرضها الكلمة.
هؤلاء (المثقفون بالفطرة) لا يتركون قضية، صغيرة كانت أو كبيرة، إلا اقتحموها تحليلًا وتعليقًا وفتوى. يناقشون كل شيء، ويفتون في كل شيء، ويقدّمون حلولًا جاهزة لكل الأزمات، ثم لا يكتفون بعرض آرائهم، بل يسعون إلى فرضها، ويرفضون كل رأي مخالف، حتى لو صدر عن أهل الاختصاص أو عن أصحاب التجربة الطويلة. يتحول الاختلاف لديهم إلى تهديد، والنقاش إلى معركة، والفكرة إلى وسيلة للتموقع لا للبحث عن الحقيقة.
يمارسون هذا السلوك بثقة مفرطة، رافضين الاعتراف بحدودهم أو بضعف تكوينهم أو بجهلهم في مجالات لا يتقنونها. يتشبثون بآليات تفكير بدائية، عفا عنها الزمن، لا تُنتج معرفة ولا تبني وعيًا، ومع ذلك يقدمونها على أنها اجتهادات عميقة. يصححون الصحيح، ويخطّئون الصواب، ويزعمون امتلاك كفاءة تفوق كفاءة المهنيين والباحثين والعلماء، وكأن الشهادات، والتكوين، والتجربة، مجرد تفاصيل ثانوية لا قيمة لها.
ضمن هذه الفئة، نجد منتخبين يفرضون رؤاهم وبرامجهم دون علم أو تشاور، ويسطرون مخططات فاشلة، ويبرمجون مشاريع عشوائية غير قابلة للتنزيل، متجاهلين الكفاءات المتوفرة داخل محيطهم المحلي من مهندسين وتقنيين وموظفين وفاعلين. يقررون على هواهم في تدبير الشأن العام، ولا يجدون حرجًا في تجاوز القانون، مستندين إلى منطق التصويت وفرض “إرادة الأغلبية”، وكأن المؤسسات المنتخبة كيانات مستقلة عن الدولة، لها قوانينها الخاصة، لا تخضع لمعايير الحكامة ولا لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
ونجد ضمنهم أيضًا ممثلين لقطاعات مهنية يفرضون العمل بالأعراف بدل القوانين، إما لأن بعض النصوص لا تخدم مصالحهم، أو لأنهم يجهلونها أصلًا ويخشون كشف هذا الجهل أمام من فوّضوهم. كما نجد مسؤولين في قطاعات عمومية وخاصة، وصلوا إلى مواقعهم عبر الزبونية والمحسوبية، فباتوا مجبرين على ارتداء قناع (العارف بكل شيء)، ولو على حساب الحقيقة والمصلحة العامة.
وقد ساهم الفضاء الرقمي بشكل كبير في تضخم هذه الظاهرة. فوسائل التواصل الاجتماعي ألغت الحدود بين الرأي والمعرفة، وسوّت بين المختص والعابر، وجعلت عدد المتابعين معيارًا للمصداقية، وعدد الإعجابات دليلًا على الوعي. في هذا الفضاء، يتحول المنشور السطحي إلى (تحليل عميق)، ويُعاد تداوله دون تمحيص، وتُبنى عليه مواقف وأحكام. بينما يُطلب من المختص أن يبرر كل كلمة، يُمنح غير المؤهل حق الكلام المطلق دون مسؤولية معرفية أو أخلاقية.
ومع هذا التمدد، يمارس المثقف بالفطرة دورًا أكثر خطورة: تضليل الرأي العام. فهو لا يؤمن بالتعدد ولا يعترف بالاختلاف، بل يلجأ إلى التخوين والتشكيك في النوايا، ويحوّل النقاش العمومي إلى صراع شخصي، تُستبدل فيه الحجة بالإهانة، والفكرة بالتشهير. وهكذا يُفرغ النقاش من مضمونه، وتتحول القضايا المصيرية إلى معارك وهمية، تُدار بمنطق الغلبة لا بمنطق الحقيقة.
الأخطر من ذلك، أن هذا السلوك يؤدي إلى اغتيال الكفاءة. حين يتصدر غير المؤهلين المشهد، يُقصى أهل الاختصاص، إما بالصمت القسري، أو بالإقصاء المتعمد، أو بالتشكيك في مصداقيتهم. تُقدَّم الخبرة على أنها تعقيد غير مرغوب فيه، ويُسوَّق الجهل على أنه بساطة قريبة من (الشعب). وبهذا المنطق، تُبنى السياسات والقرارات على الانطباعات بدل الدراسات، وعلى المزاج بدل التخطيط، وعلى الزعامة بدل الحكامة، فتتحول المؤسسات إلى مختبرات تجارب فاشلة، يدفع المواطن ثمنها.
وفي مجال التربية والتعليم، تتجلى خطورة هذه الظاهرة بشكل أكثر عمقًا. فهؤلاء يقدّمون أنفسهم كخبراء في الشأن التربوي، دون حاجة إلى دراسة أو بحث أو تقييم علمي. يختزلون مشاكل التعليم في شعارات سطحية، ويتجاهلون أن الخطأ التربوي لا يضر فردًا واحدًا، كما يفعل الخطأ الطبي، ولا يهدم بناية كما يفعل الغش في البناء، بل يفتك بالأمة كاملة. فالخطأ التعليمي هو المنبع الذي تتغذى منه باقي الأخطاء، وهو الذي يُنتج أجيالًا مشوشة، بلا أدوات نقدية ولا حسٍّ معرفي.
ومن رحم هذا الاختلال، ظهرت نماذج بشرية تدّعي أنها قادرة على كل شيء، بلا تعليم ولا تكوين ولا خبرة. نماذج ترى في الجهل فضيلة، وفي الضجيج دليلًا على الوعي. ولم يعد المبدع، عالمًا كان أو شاعرًا أو أديبًا، قادرًا على حماية ملكيته الفكرية، في ظل استفحال القرصنة والسطو، وظهور جيش من هواة التقليد وانتحال الصفة، يركبون على إبداع الآخرين وينسبونه لأنفسهم، دون أدنى وازع أخلاقي.
ولا يقل خطر هذه الظاهرة على الأجيال الصاعدة. فحين يرى الشباب نماذج تتصدر المشهد بلا جهد ولا معرفة، يترسخ لديهم وهم أن الثقافة لا تحتاج إلى قراءة ولا إلى صبر ولا إلى مسار. يكفي إثارة الجدل، أو رفع الصوت، أو ادعاء الجرأة، لبلوغ “النجومية الفكرية”. وهكذا يُعاد إنتاج الرداءة، ويتحول الادعاء إلى نموذج يُحتذى، ويُفرغ التعليم من معناه.
إن مواجهة ظاهرة المثقفين بالفطرة لا تعني مصادرة حرية التعبير، ولا احتكار المعرفة، بل تعني إعادة الاعتبار للعلم، وللتخصص، وللتواضع الفكري، ولثقافة السؤال بدل ثقافة الادعاء. فالثقافة ليست وراثة، ولا فطرة صماء، ولا صراخًا في الفضاء العام، بل مسؤولية أخلاقية، ومسار وعي، وخدمة للصالح العام. وكل مجتمع لا ينتبه إلى هذا الخطر، محكوم عليه بأن تهيمن عليه ضوضاء المثقفين بالفطرة… إلى أن يغيب المعنى تمامًا.