لو كان الأمر يخضع لمنطق العصر الرقمي الصرف، لما كان لاسم عبد اللطيف شهبون أن يتجاوز أسوار الجامعة أو رفوف المكتبات المتخصصة، فالرجل لا يملك “جيشا إلكترونيا”، ولا يتقن فن “الستوري” الخاطف، ولم يسبق له أن انخرط في تراشق فيسبوكي لرفع معدلات التفاعل.
ومع ذلك، ها هو ذا، أكاديمي بملامح كلاسيكية ونظارة طبية سميكة تشي بساعات طويلة من فك طلاسم المخطوطات، يجد نفسه فجأة رقما صعبا في معادلة جماهيرية، مرشحا للقب “شخصية السنة” في استفتاء بطنجة.
ليست هذه قصة نجاح تقليدية، بل هي ما يشبه “عطبا” جميلا في الآلة، عطب يشير إلى أن الذاكرة الجماعية لمدينة مثل طنجة لا تزال تحتفظ بمكان، ولو ضيقا، لمن يشتغلون في الظل.
شهبون قادم من زمن مغربي آخر، زمن السبعينيات والثمانينيات حيث كان “المثقف” مؤسسة تمشي على قدمين، وحيث لم يكن التخصص الأكاديمي تذكرة للهروب من الواقع، بل كان تورطا فيه.
وبذلك المعنى، لم يختر أن يكون مجرد حارس للمعبد الأندلسي في جامعة عبد المالك السعدي. صحيح أنه غاص في التراث وحقق نصوص أحمد بن عبد القادر التستاوتي بصرامة الجراح، غير أنه فعل ذلك بعقلية من يريد “تبيئة” التراث لا تحنيطه، فهو لا ينظر إلى الأندلس كفردوس مفقود نبكي على أطلاله، وإنما كحقل معرفي ينبغي تنقيته من شوائب الرومانسية التاريخية.
وفي شعره يمارس شهبون نوعا من “التقشف الباذخ”، إذ إن دواوينه، مثل “كما لو رآني”، لا تقرع الطبول بقدر ما تهمس.
وفي عصر الصراخ والتدوينات الغاضبة التي تنتهي صلاحيتها في أربع وعشرين ساعة، يكتب قصيدة النفس الصوفي الهادئ، فلا تسعى لغته إلى إدهاش القارئ بـ”الأكروبات” البلاغية، بل تحاول استدراجه ببطء إلى منطقة تأمل عزلاء. إنه، في النهاية، يكتب لمن يملك ترف الوقت، وهي عملة نادرة في زمن السرعة القصوى.
لكن لماذا الآن، ولماذا هو؟ إن ترشيح رجل ببروفايل “نخبوي” في استفتاء شعبي لمنصة “طنجة 24” يحمل دلالة سوسيولوجية تتجاوز مجرد التكريم، لأنه يشير إلى نوع من الملل الجماهيري الخفي من الوجوه البلاستيكية التي تملأ المشهد، كما يعكس جوعا، ربما غير واع، للعودة إلى الأصالة.
وفي هذا السياق لا يمثل شهبون نفسه فقط، بل يمثل جيل “الأساتذة” الكبار الذين بنوا سمعتهم عبر عقود من التدريس في المدرجات، والنقاش في الصالونات الأدبية، والمرافعات الحقوقية الرصينة، لا عبر “الترند”.
وتكمن المفارقة في أن شهبون، الذي قضى عمره يفكك نصوص الماضي، أصبح هو نفسه “نصا” تحاول الأجيال الجديدة قراءته. فمشاركته في الحياة العامة، سواء عبر الفعل الحقوقي أو الكتابة الصحفية، لم تكن بحثا عن الضوء بقدر ما كانت ممارسة لدور بمسؤولية أخلاقية هادئة.
غير أن المنصات الرقمية، حين تضعه في كفة الميزان أمام صناع المحتوى والمؤثرين، تجعل المشهد يبدو سرياليا، إذ إن الكفة التي تحمل الكتب والمخطوطات لا تزال تملك وزنا يفرض الاحترام حتى في سوق “اللايكات”.
قد لا يفوز شهبون باللقب في نهاية المطاف، فالأرقام في العالم الافتراضي لها منطقها الخاص، غير أن مجرد وجوده هناك، باسمه المجرد وتاريخه الأكاديمي، يمثل انتصارا لنمط من النجومية كنا نظن أنه انقرض، كما يشكل تذكيرا بأن طنجة، رغم كل المساحيق العصرية التي تضعها على وجهها، لا تزال في عمقها مدينة تحترم الفقيه والأستاذ والشاعر.
وهكذا فإن عبد اللطيف شهبون ليس مجرد مرشح في مسابقة، بل هو، في هذا السياق، اختبار للذوق العام، ودليل على أن الثبات على المبدأ، في زمن السيولة، يظل أحد أشكال الحداثة الممكنة.
ظهرت المقالة عبد اللطيف شهبون.. “المتصوف” الذي تسلل إلى “خوارزميات” الجمهور بعبق الحكمة والمعرفة الهادئة أولاً على طنجة24 | صحيفة تتجدد على مدار الساعة.