
محمد كرم
مازال السفر قطعة من جهنم، ليس فقط بفعل المسافة الواجب قطعها، ولكن أيضًا بفعل كم الوثائق الرسمية الواجب الإدلاء بها، خاصة عندما تكون الوجهة “جنة” من جنان أوروبا الغربية أو أمريكا الشمالية. كابدت الصعاب والأوامر: (جيب هادي، واطلب هادي، وترجم هادي، وأمبريمي هادي، وصوّر هادي، واسكاني هادي، وسيني هادي، وخلّص هادي، وما بغيناش هادي، بغينا هادي… وسير قول لهم يعاودو ليك هادي)، ولم أستسلم، لأجد نفسي في نهاية المطاف، وبعد غياب امتد لثلاثة عقود ونيف، في ضيافة عاصمة الضباب من جديد، في فصل الأمطار والقَرّ، وعلى بعد أيام قليلة من الاحتفال بـ”الكريسمس” وحلول العام الميلادي الجديد.
الطقس الشتوي المضطرب بهذه الربوع لا يمنع من ممارسة كل الأنشطة الاعتيادية اليومية. الكل — بمن فيهم حشود السياح القادمين من كل فج عميق — عازمون على تحديه بمطره وبرودته وجليده ورياحه وضبابه وظلامه المبكر… بالضبط على طريقة لاعبي كرة القدم المحترفين، الذين لا يأبهون لا للبلل ولا لباقي تمظهرات الأحوال الجوية المتقلبة.
لم أر المدينة هذه المرة بعيون ذلك الشاب الذي كان ما يزال يتلمس طريقه في الحياة ويحلم بغد وردي، والذي لم يكن يدري بأن رسم الأهداف قد يغدو مجرد مضيعة للجهد والوقت، بل رأيتها بعيون من لم يعد يطمع إلا في حسن الخاتمة، أو في هزيمة نهائية مشرفة على الأقل.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
لم ألاحظ وجود فرق يستحق الذكر على مستوى الملامح العمرانية والمعمارية بين لندن التي عرفتها في أواسط الثمانينيات وبداية التسعينيات ولندن المعاصرة، إذ ما زالت هذه الحاضرة على ما يبدو في حدود حجمها السابق وعلى هيئتها السابقة، وما زالت مبانيها التاريخية تحتفظ بمتانتها وشموخها ورونقها، ومعظم الأوراش المفتوحة اليوم تهم عمليات الترميم في المقام الأول. لا غرابة في الأمر، بما أن المدينة استكملت بناءها قبل مدة ليست باليسيرة، ما يبرر محدودية فرص العمل بالنسبة لمهندسيها المعماريين الذين اضطر الكثير منهم إلى الرحيل أو البحث عن مورد رزق مختلف، وهي الآن تستمتع بنضجها ونتائج جهود بنائيها العظام.
بهذه المباني عاش مهندسو التوسع الإمبريالي الذين جعلوا من بريطانيا ذات حقبة إمبراطورية لم تكن تغيب عنها الشمس، وهنا وجدت الراحلة الملكة إليزابيث الثانية ما يكفي من مقومات الحياة والسلطة، فظلت على رأس الدولة لقرابة سبعين سنة، عاصرت خلالها 14 رئيسًا أمريكيًا، وهنا تخلّى إدوارد الثامن عن العرش بسبب امرأة، وهنا رأت الساحرة المستديرة النور، وهنا سقطت قنابل هتلر الحارقة والمدمرة، وهنا تم إعداد وعد بلفور الذي غيّر وجه الشرق الأوسط وتاريخه، وهنا أتى وباء الطاعون في 1665 على حياة حوالي مائة ألف شخص (أي ربع سكان المدينة)… وهنا… وهنا… وعلى هذه الشوارع سار تشارلز ديكنز، وجون ميلتون، وجون لوك، وإسحاق نيوتن، وغيرهم من الأدباء والشعراء والفلاسفة والعلماء الخالدين بأعمالهم المتميزة. المكان يعج بالذكريات من كل الأصناف، ما يفسر جزئيًا التدفق الهائل للسياح على المدينة. مخطئ من يعتقد أن السياحة تزدهر أساسًا بوجود فنادق من فئة خمسة نجوم، وبضع واجهات برّاقة، وقطار فائق السرعة لا غير. الأمكنة التي ليس في جعبتها ما تحكيه، أمكنة خرساء، ولا تستحق الزيارة مهما استُثمر فيها من إسمنت مسلّح، ومهما كانت كمية الماكياج الموضوع على وجهها.
كل شيء هنا يعطي الانطباع بأن المركزية الغربية ما زالت قائمة، وبأن تفكيكها غير وارد لا الآن ولا في المستقبل المنظور، ولا أدل على ذلك من استمرار هيمنة نموذج الحياة الغربي، واستمرار استقبال الدول الغربية لعشرات الآلاف من المهاجرين الشرعيين وغير الشرعيين، الفارين من مواطن الفقر والتخلف والحروب، والحالمين بغد أفضل.
إن زيارة لندن — شأنها في ذلك شأن زيارة حواضر عالمية أخرى من قبيل باريس، ولشبونة، ومدريد، وبروكسل — هي واحدة من الطرق لفهم ما يمكن أن يحصل عندما تجتمع الإرادة والذكاء والعلم والتحضّر. إشعاع الإمبرياليات الغربية في وقت من الأوقات لم يأتِ من فراغ، وأنا عاجز تمامًا عن تصور طبيعة الوضع الذي يمكن أن تكون عليه اليوم كل المستعمرات السابقة في آسيا وأفريقيا، لو لم يبتلها الله بحملات الرجل الأبيض العسكرية وأطماعه. فرغم كل شيء، فقد وضعها هذا الأخير على سكة الحداثة، وعلّم أهلها كل شيء تقريبًا: من طريقة تنظيم الجيش، إلى طريقة حساب الضرائب، مرورًا بتقنيات البناء، وشق الطرق، وتوليد الطاقة، ووضع المناهج التربوية، والتدبير العصري للمرافق العمومية، إلخ… وهذه حقيقة لا بد من الإقرار بها، وهذا هو الوجه المشرق للاستعمار.
حتى على مستوى السلوك البشري، ما زال الإنجليز على طبيعتهم التي سار بذكرها الركبان، إذ ما زال الهدوء والأدب والانضباط واحترام الآخر من شيمهم البارزة. وحتى عندما تجدهم ملتصقين بهواتفهم المحمولة في الفضاءات العامة وبوسائل النقل العمومي، على غرار باقي شعوب الأرض، فإن إدمانهم هذا لا يشكل مصدر إزعاج لأي أحد. فالجميع هنا تقريبًا مقتنعون بأن امتلاك المرء لجوال لا يخوّله الحق في التعدي على حرية الآخرين وراحة آذانهم.
الانفتاح على الآخر حاضر هنا بقوة أيضًا. فعلى الرغم من الإجراءات الأمنية المشددة الجاري بها العمل بمختلف نقاط ولوج التراب الوطني البريطاني، وعلى الرغم من الشروط شبه التعجيزية المفروضة على مواطني العالم الثالث بشكل خاص، والتي لا بد من استيفائها للحصول على تأشيرة دخول المملكة المتحدة، فإن البلاد — وبخاصة عاصمتها — تكاد تكون محتلة بالكامل من قبل الأجانب. الملوّنون القادمون أساسًا من الهند وما جاورها، ومن أفريقيا والشرق الأوسط وجزر الهند الغربية، تصادفهم في كل مكان، وهم يشغلون كل الوظائف الممكنة، من رئاسة الحكومة أو عضوية مجلسي العموم واللوردات، إلى جمع الأزبال. الخليط البشري الهائل المرصود بلندن قلّما نجد له مثيلًا في مكان آخر، وهذا الأمر من الطبيعي أن يثير حفيظة اليمين المتطرف، لكنه يزيد حتمًا من سحر المدينة ويغني تجارب أهلها، الذين أدركوا مع مرور الأيام بأنه لا مفر من التفاعل مع الآخر والتعايش معه إن هم أرادوا الاستمرار في العيش في سلم وأمان، وبأن الهوية الحقيقية ليست عرقًا، أو دمًا، أو لونًا، أو جينات، أو ثقافة، أو أوراقًا رسمية، بل هي إطار يحتضن الجميع، ويقوم أساسًا على التسامح والاحترام المتبادل مع التقيد بقوانين البلاد. أما الأجانب الراغبون في ممارسة الطقوس الدينية والاجتماعية التي جلبوها معهم بحقائبهم، فلهم ذلك شريطة ألا يزعجوا بها الغير، وألا تعزلهم عن محيطهم الجديد، وهذا عين العقل. لن يتدخل أحد في قبلة صلاتهم، ولا في نوع موسيقاهم المفضل، ولا في اللغة المستعملة في البيت — وحتى خارجه — ولا في جنسية القنوات التلفزيونية الملتقطة، ولا في اهتماماتهم الثقافية والسياسية، ولا… ولا… طالما أن حرية الآخرين محفوظة، وطالما أن ثوابت المملكة مرعية.
ومن الأمور التي استرعت انتباهي أيضًا حركة جولان العربات. ففي الوقت الذي كنت أتوقع معاينة اختناقات مرورية رهيبة على غرار ما هو حاصل في الحواضر العالمية الكبرى، وجدت نفسي أمام انسيابية مثيرة للإعجاب والتساؤل. كان لا بد إذن من استقصاء الأمر، لأدرك لاحقًا بأن امتلاك سيارة هنا ليس في متناول كل سكرتيرة شرعت في العمل قبل شهرين فقط، أو كل إطار شاب اجتاز مباراة التوظيف قبل أسابيع فقط، أو كل تافه همه الوحيد التباهي بسيارته. لا يملك السيارة في لندن إلا من تؤهّله قدراته المادية لمواجهة تكاليفها الباهظة جدًّا جدًّا. فمجرد مصاريف ركنها قد تعادل ما يؤديه المرء شهريًا كسومة كرائية لقاء سكنه، ناهيك عن إلزامية التقيد الصارم بشروط المحافظة على البيئة، إذ لا يُسمح للعربات القديمة بالتواجد في وسط المدينة على الأقل، كما أن هناك توجهًا واضحًا نحو التخلي عن المحركات التقليدية واستبدالها بالمحركات الكهربائية أو الهجينة. وطبعًا ما كانت السلطات البلدية لتقدّم على تشديد شروط استعمال الطريق لو لم تكن هناك دوافع معقولة. وحتى تتجنب السلطات ذاتها الوقوع في الإحراج والتعسف، فقد قامت بتطوير النقل العمومي على نحو مذهل، جعل الكثيرين يتخلون عن سياراتهم الشخصية طواعية وبكل تفهم ودون تردد.
والحديث عن لندن الحديثة يجرني أيضًا إلى الخوض في موضوع الرقمنة وأثرها في حياة الناس. لا يمكن للسائح القادم من إحدى دول العالم الثالث أو الخامس إلا أن يقف مشدوها أمام ما تحقق في هذا المجال، دون أن يعني ذلك بالضرورة إشادته به.
كانت الرحلة — وما سبقها وما تخللها من إجراءات — مرقمنة من البداية إلى النهاية. حتى نقط عبور الحدود بمطار ستانستيد اللندني كانت خالية من عناصر الشرطة، وكان على كل مسافر واصل الاكتفاء بوضع الصفحة الرئيسية من جواز سفره على ماسح إلكتروني، وبمجرد ما يتأكد الجهاز من صلاحية المعطيات ومطابقتها لشروط الدخول، يفتح باب العبور بشكل آلي.
والحجوزات المرتبطة بالإيواء والنقل وخدمات أخرى تتم على الخط بشكل شبه حصري. أما القطع النقدية والأوراق البنكية فلم يعد من الضروري تخصيص مكان لها في الجيوب. الأموال اليوم محمّلة بالهواتف المحمولة والبطاقات البنكية وغيرها، وكل المرافق العمومية والكثير من المتاجر ومراكز التسوق لم تعد تعتمد سوى أسلوب الأداء الإلكتروني، الأمر الذي أزعجني أيما إزعاج، خاصة وأن بطاقتي البنكية خذلتني في أكثر من مناسبة.
الأمية الرقمية لم تعد مقبولة اليوم، ولا يعذر أحد بتخلفه عن الركب.
وخلال مقامي في الديار البريطانية، وباستثناء يافطات متاجر الحي الصيني ومحلات شارع Edgware المملوكة في الغالب للعرب والإيرانيين والأكراد، لم يقع بصري على كلمة أجنبية واحدة. كل شيء مكتوب باللغة الإنجليزية، حتى في أكثر المرافق استقطابًا للسياح، وكأن السلطات — ومعها الشعب بأكمله — تخاطب زوار البلاد بأعلى صوتها قائلة: “نعم، بلدنا بلد سياحي، ولكن لغات الأمم الأخرى لا تهمنا، ومن لا يفهم لغتنا ما عليه سوى استئجار خدمات مترجم أو مرشد.” اللغة هنا — كما هو الشأن في كل الدول المحترمة — عنوان للسيادة، وليست فقط وسيلة للتفكير والتعبير والتواصل… ولولا معرفتي بأبجديات لغة شكسبير لكان التيه مصيري، ولما عرفت كيفية التصرف فوق الأرض وتحت الأرض… ولما وجدت فرقًا بيني وبين البهائم!!
قد يقول قائل بأن إعجابي بالعاصمة البريطانية يتنافى مع مضمون بعض الفيديوهات الرائجة التي تصورها كمزبلة، ومعقل للنشالين، ومرتع للمتشردين. أقول لهذا القائل: إن لكل منا القدرة على تصوير سيدي بنور مثلاً بشكل يجعل هذه المدينة الصغيرة تبدو وكأنها فيلادلفيا، والعكس صحيح. هناك علاقة قوية بين ما تلتقطه الكاميرا ونيّة المصور… وليس من رأى بعينيه كمن رأى بأعين الآخرين. وعلى الرغم من الانتقادات المسجلة، تظل لندن أقرب عاصمة أوروبية إلى قلبي، فهناك دائمًا نصف كأس مملوء يسرّ الناظر، ويُريح النفس، ويُثري التجارب الشخصية.
ملحوظة ختامية: لم أخصص فقرة للحديث عن الأسعار المطبقة بلندن، وتكفي الإشارة في هذا السياق إلى أن قنينة ماء من سعة 750 مل تكلف ما يعادل 40 درهمًا في متاجر المطار، وأن الرحلة من هناك إلى وسط المدينة على متن سيارة أجرة تكلف حوالي 1500 درهم!!!!!!!