عسكرة الإعلام


رشيد الكشرادي

لم تعد عسكرة الدولة في الجزائر مجرد انزلاق عابر أو رد فعل ظرفي، بل غدت خيارا بنيويا مقصودا، وعقيدة حكم راسخة، وآلية اشتغال يومية تعيد تشكيل السياسة والإعلام والتعليم والاقتصاد، بل وتمتد حتى إلى الرموز الجماعية ومعاني الانتماء. نحن إزاء تحول نوعي من دولة سلطوية بالمعنى الكلاسيكي إلى ما يمكن وصفه بـ الدولة–الثكنة؛ دولة لا تدار فيها الاختلافات بل تقمع، ولا تبنى فيها الشرعية على تعاقد سياسي، بل تفرض بالقوة الرمزية وبالتخويف المنهجي.

في هذا الإطار، يحتل الإعلام موقع الحلقة الأخطر داخل منظومة العسكرة، لأنه لا يكتفي بعكس السلطة، بل يتولى إعادة إنتاجها داخل الوعي الجماعي. فعندما يختزل الصحافي في مرؤوس خاضع للمؤسسة العسكرية، ويتحول الخبر إلى أداة تعبئة، والرأي إلى تهمة محتملة، نكون أمام أكثر من أزمة مهنية؛ نكون أمام مشروع واع لهندسة الإدراك العام. الإعلام المعسكر لا ينشغل بالسؤال عما حدث، بل يسبق الوقائع بتحديد كيفية فهمها، ويرسم مسبقا حدود الوطنية، ويعرف العدو، ويحدد من يستحق الإقصاء الرمزي ومن يسمح له بالوجود داخل الفضاء العام.

تؤكد تقارير صادرة عن عدد من مراكز التفكير الدولية أن الأنظمة التي تخضع الإعلام للمنطق الأمني لا تسعى إلى إخبار المواطن، بقدر ما تعمل على التحكم في تفسير الوقائع وصناعة إجماع قسري حول روايات جاهزة. في الحالة الجزائرية، يتجلى هذا المنحى في منظومة إعلامية صممت لتجفيف المجال العمومي من أي معنى نقدي، وتحويله إلى فضاء تعبئة دائمة. لغة الإعلام الرسمي، المشبعة بمفردات المؤامرة والخطر الداهم والتهديد الوجودي، لا تنتمي إلى عالم الصحافة، بل إلى قاموس الحرب. إنها لغة لا تخاطب العقل، بل الغريزة، ولا تهدف إلى الإقناع، بل إلى الإخضاع.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

ضمن هذا الإطار، يتحول العداء للمغرب إلى عنصر بنيوي في الخطاب الإعلامي، لا باعتباره خلافا سياسيا قابلا للنقاش أو التدبير الدبلوماسي، بل بوصفه وظيفة سياسية جاهزة تستدعى كلما ضاق الأفق الداخلي. المغرب يقدم باعتباره العدو الدائم، الذي يحمل مسؤولية الفشل، ويستعمل لاحتواء الغضب الاجتماعي، وتبرير الانغلاق، وتأجيل أي أفق إصلاحي. هنا تختزل السياسة في منطق الصديق والعدو، وتبنى الهوية على الكراهية لا على المشروع، في إعادة إنتاج فجّة لمنطق تعبئة بدائي لم يعد له مكان في عالم العلاقات الدولية المعاصرة.

الأخطر أن التضليل لم يعد نتيجة عرضية أو انزلاقا مهنيا، بل سياسة قائمة بذاتها. صناعة الأخبار الكاذبة، وترويج الإشاعات، وخلط الوقائع بالادعاءات، وبث خطاب كراهية فج، كلها أدوات اشتغال يومية داخل المنظومة الإعلامية. وبدل الالتزام بالحد الأدنى من المصداقية أو حتى حفظ ماء الوجه المهني، ينخرط الإعلام الرسمي، الذي يفترض أن يعكس المستوى القيمي والأخلاقي للدولة، في تعميم ادعاءات غير موثقة، وتطبيع خطاب تحريضي يفتقر إلى أي حس بالمسؤولية.

ويتجلى هذا الانحدار بوضوح في دناءة القاموس اللغوي المعتمد، حيث تستبدل أسماء الدول بمصطلحات رديئة تمس كرامة الشعوب ومشاعرها قبل أن تمس الأنظمة الاخرى، وتحل السخرية السوقية، والتلميح المبتذل، والنعوت العدوانية محل التحليل الرصين والنقاش المسؤول. اللغة هنا ليست مجرد أداة للتعبير، بل مرآة لانهيار قيمي عميق؛ فحين تنحدر اللغة، ينحدر التفكير، وحين يشرعن الابتذال، يشرعن العنف الرمزي، وتستباح الحقيقة باسم وطنية زائفة وانتصارات وهمية. وما الذي يمكن انتظاره من إعلام رسمي، إذا كان رئيس الدولة نفسه، الذي يفترض فيه الحد الأدنى من الحس الدبلوماسي واللياقة الفكرية، ينزلق إلى نعت دول بأوصاف قدحية، كما حدث في حوار صحفي مع وسائل إعلام رسمية نهاية هذا الأسبوع؟ حين تصدر الإساءة من قمة الهرم، لا تعود زلة لسان عابرة، بل تتحول إلى توجيه ضمني، وترخيص مفتوح لانحدار الخطاب، وتعميم الرداءة، وتكريس ثقافة الإهانة بوصفها أداة سياسية مشروعة.

ولم يتوقف هذا المنطق عند الإعلام الرسمي، بل امتد إلى جزء من الإعلام غير الرسمي، الذي جرى توجيهه بعناية. منصات تبدو مستقلة في الشكل، لكنها تتحرك داخل هامش مضبوط بدقة، تضخم الأكاذيب، وتعيد تدوير الإشاعات، وتمنح خطاب السلطة مظهر الرأي العام. وهكذا تتجسد الهيمنة في أبسط صورها، حين تنجح السلطة في جعل خطابها يبدو طبيعيا، شعبيا، وبديهيا، رغم افتقاره لأي مضمون عقلاني.

وتكشف الوقائع أن استهداف المغرب يتم وفق أجندات دقيقة وتوقيت محسوب. خلال الدورة الأخيرة لكأس أمم إفريقيا، تصاعد الخطاب العدائي بشكل لافت، الإعلام الرسمي شدد نبرته، بينما انخرط الإعلام غير الرسمي في حملة شرسة. ووفق تحقيق لموقع ميديا 24، جرى رصد نحو 860 ألف تغريدة استهدفت المغرب خلال البطولة ضمن هجمات رقمية منسقة، ما يؤكد أننا أمام حرب إعلامية مهندسة، لا انفعالات عفوية ولا ردود فعل عابرة.

في المقابل، يبرز موقف الإعلام المغربي، خصوصا الرسمي، المتسم بالرزانة وضبط النفس. هذا الموقف، الذي يفسر أحيانا داخليا باعتباره ضعفا، هو في الواقع خيار استراتيجي واع، عبر عنه العاهل المغربي حين أكد أن المملكة لم تسئ، ولن تسئ، إلى الجزائر أو شعبها. وهو خيار يتجاوز الإعلام ليشمل الدبلوماسية، والعقيدة العسكرية، والسلوك العام للدولة، حيث جرى الفصل بوضوح بين الخلاف السياسي والروابط الإنسانية والتاريخية بين الشعوب.

من الناحية الجيوسياسية، يعكس هذا التباين اختلافا عميقا في قراءة الزمن الإقليمي. الجزائر تراهن على الصدام وصناعة التهديد وتعبئة الداخل عبر البروباغندا، في محاولة لفرض الردع الرمزي عبر الضجيج الإعلامي. في المقابل، يراهن المغرب على الاستقرار، وتعدد الشراكات، وبناء نفوذ هادئ طويل النفس، قائم على القوة الناعمة، والوساطة، والاندماج الإقليمي والدولي. وفي عالم تقاس فيه قوة الدول بقدرتها على إنتاج الثقة لا الخوف، تبدو عسكرة الإعلام وبث الكراهية رهانات قصيرة المدى، لكنها مرتفعة الكلفة استراتيجيا.

لقد أدى هذا الانخراط الممنهج للإعلام الجزائري في منطق العسكرة إلى نتيجة عكسية على المستوى الدولي، حيث فقد ما تبقى له من مصداقية، ولم يعد ينظر إليه كفاعل إعلامي مهني، بل كأداة دعائية فجة داخل جهاز سياسي مأزوم. ويمكن الجزم بأن ما يمارسه هذا الإعلام لا يعكس تحولا إيجابيا، بل ارتباكا استراتيجيا، أشبه برقصة الديك المذبوح، حركة صاخبة تخفي نزيفا عميقا. هذا السلوك يعكس ضيقا متزايدا إزاء المكاسب التي راكمها المغرب على مستوى القوة الناعمة الهرمية، دبلوماسيا وثقافيا ورياضيا، وهي مكاسب وضعت المؤسسة العسكرية في موقف حرج أمام شعبها، بعدما بات الفرق واضحا بين دولة تبني نفوذها بهدوء، ونظام يبدد طاقته في الصراخ الدعائي.

والمفارقة اللافتة أن هذا الانحدار لا يمكن تبريره بذريعة الطابع العسكري. فحتى الإعلام العسكري في عدد من الدول الحديثة يمارس اليوم خطابا متحضرا، منضبطا بقيم الدقة والمسؤولية وضبط اللغة، ويحرص على التمييز بين المعلومة والدعاية. غير أن هيمنة منطق عسكري بائد في تفكير جنرالات الجزائر، جعلت إعلام دولة يهوي إلى مستوى أدنى مما تمارسه بعض الجيوش نفسها في تواصلها المؤسسي. هنا لا تكمن المشكلة في العسكر كمؤسسة، بل في تكلس عقلي وسياسي حول مؤسسات الدولة إلى ملحقات دائمة للمؤسسة العسكرية.

لم تعد عسكرة الدولة في الجزائر حالة ظرفية، بل تحولت إلى منظومة شاملة تطال مختلف القطاعات، بما يحوّل الدولة إلى ما يشبه “الثكنة” حيث يهيمن منطق القوة والطاعة على القانون والمواطنة. ومن منظور ديني، لا يقتصر خطر هذا المسار على الجوار أو الإقليم، بل يرتد أساسا على الداخل، لأن سنن الله تقضي بأن الظلم والخوف ومصادرة الوعي لا تؤدي إلى الاستقرار، بل إلى الفتنة والانهيار. وقد لخّص القرآن هذه القاعدة بقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾، فالدول التي تؤسس حكمها على القهر تحصد في النهاية عواقب أفعالها، ومن يزرع الريح لا بد أن يحصد العاصفة.

-أستاذ باحث في تدبير الموارد البشرية والذكاء الاستراتيجي – جامعة القاضي عياض، مراكش

إقرأ الخبر من مصدره