الأحداث بقلم محمد اعويفية
كلما ضاقت المساحة واشتد الخناق على بعض السياسيين، واقترب منهم سؤال المحاسبة، لوحوا بورقة قديمة مستهلكة، ورقة تخرج فجأة فنسمع عن الاعتزال والتنحي يمرر بخطاب العواطف الجياشة ونبرة جاهزة مؤثرة ، تعرض كأنها موقف أخلاقي نبيل، بينما هو في جوهره محاولة للهروب إلى الأمام.
هؤلاء السياسيون لا يبكون على الوطن والمواطن، بل على مواقع ضاعت ، ونفوذ تراجع، وأضواء خفتت. يبكون لأن قواعد اللعبة تغيرت في غير صالحهم، أو لأنهم فشلوا في التكيف معها. ولو كانت الدموع صادقة، لسبقتها وقفة للمراجعة، ولرافقتها جرأة الاعتراف بالأخطاء والاقرار بها، لا الانتحاب والاكتفاء بلعب دور الضحية .
الاعتزال، حين يكون موقفا حقيقيا، يعلن بهدوء، ويفسر بوضوح، ويغادر صاحبه المشهد دون ضجيج أو جلبة مثلما فعل عبدالرحمان اليوسفي. أما الاعتزال الذي يساغ بعاطفة مصطنعة، فغالبا ما يكون رسالة لا قرارا نهائيا، واستثمارا في العاطفة لا في المبدأ ذاته.
الأخطر أن هذا السلوك يستخف بوعي الناس . يفترض أن الجمهور ساذج، سريع التعاطف، ينسى بسهولة، ولا يسأل عما أنجز وما أفشل . يفترض أن دموع المسكنة كافية لمسح سنوات من الصمت، أو التواطؤ، أو العجز. وهذا افتراض خاطئ، لأن الذاكرة الجماعية، مهما أنهكت، أبدا لا تموت .
السياسة ليست خشبة مسرح، فمن لا يتحمل المسؤولية بكامل تجلياتها لا يحق له احتكار دور الضحية. من أخفق، فليتحمل إخفاقه وحده. ومن قصر، فليعترف بتقصره. أما البكاء في السياسة فهو ليس شجاعة ولا نزاهة، بل حيلة وشكل آخر من أشكال الخداع المفضوح.
يكفي ما ضاع من الزمن ،الناس لا تحتاج دموعا جديدة، بل وجوها صادقة. لا تحتاج اعتزالات مؤثرة درامية، بل مواقف شجاعة و واضحة: إما مسؤولية كاملة، أو انسحاب صامت يترك المجال للغير القادر دون ابتزاز عاطفي. وما عدا ذلك، يعد مجرد ضجيج… ودموع بلا معنى.
هيئة التحرير15 فبراير، 2026
إقرأ الخبر من مصدره