استراتيجية صاحب الجلالة الملك محمد السادس في العمق الإفريقي والتحديات المرتقبة

Écrit par

dans

المصطفى قاسمي

مقدمة

تمثل عودة المملكة المغربية إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017 علامة فارقة في مسار الدبلوماسية المغربية، وقد أضحت هذه العودة ثمرة رؤية استراتيجية ملكية على مستوى القارة، تستهدف تعزيز السلم والأمن والتنمية انطلاقاً من مقاربة شمولية تقوم على احترام السيادة الوطنية، والشراكة المتوازنة، والتعاون من أجل منافع متبادلة.

إن انتخاب المغرب لعضوية مجلس السلم والأمن للاتحاد الإفريقي يُعد تجسيداً لثقة القارة في المساهمة المغربية الفاعلة في حفظ السلم والأمن وتحقيق التنمية المستدامة، فضلاً عن تعزيز الشرعية الدستورية داخل الدول الإفريقية.

أولاً: الإطار المفاهيمي للاستراتيجية الملكية في العمق الإفريقي

يُفهم من الاستراتيجية الملكية في العمق الإفريقي أنها رؤية شاملة ومتكاملة تستهدف ترسيخ مكانة المغرب كفاعل محوري في السلم والأمن، والتنمية، والاستقرار داخل القارة الإفريقية، انطلاقاً من مبادئ الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة.

وقد ارتكزت هذه الاستراتيجية على ستة محاور رئيسية:

ثانياً: محاور الاستراتيجية الملكية

1. محاربة الإرهاب: مناعة القارة ضد التطرف والعنف

يُعد الإرهاب تهديداً استراتيجياً للسلم والأمن في إفريقيا، وفي هذا السياق، سعى المغرب منذ زمن طويل إلى تقديم نفسه كشريك أساسي في مكافحة الإرهاب عبر:

• التعاون الأمني والاستخباراتي مع دول الساحل وغرب إفريقيا.

• دعمها في بناء قدراتها الأمنية.

• المساهمة في الجهود المشتركة التي تقرّ بها آليات السلم والأمن الإفريقية.

إن هذه المقاربة تؤسس لفهم أعمق لمشكلة الإرهاب، لا من منظور أمني فحسب، بل من منظور تنموي واجتماعي وثقافي يتمثل في بناء مناعة مجتمعية ضد التطرف.

2. التعاون جنوب–جنوب: شراكات فاعلة من أجل تنمية مستدامة

ترى الاستراتيجية الملكية في التعاون جنوب–جنوب أداة مركزية لتبادل الخبرات والموارد بين الدول الإفريقية، عبر:

• مشاريع تنموية مشتركة.

• تبادل الخبرات التقنية والتكنولوجية.

• دعم التكامل الاقتصادي الإقليمي.

لقد أصبحت هذه المقاربة إحدى الركائز التي تُعزّز الانخراط المغربي في المشاريع القارية، وتفتح آفاقاً جديدة للتعاون البيني بعيداً عن منطق الإعانة .

3. التنمية الاقتصادية: سياسة “رابح–رابح”

تُعد التنمية الاقتصادية حجر الزاوية في الاستراتيجية الملكية، وترتكز على:

• دعم البنية التحتية.

• تشجيع الاستثمارات المشتركة.

• دعم المبادرات الاقتصادية التي تُنتج قيمة مضافة في الدول الإفريقية.

تهدف المملكة عبر هذه المقاربة إلى إرساء شراكات اقتصادية تحقق نتائج ملموسة تُسهم في تخفيف الفقر ومكافحة البطالة.

4. إقرار الشرعية الدستورية في إفريقيا

ترى الاستراتيجية المغربية أن الشرعية الدستورية تمثل أساس أي استقرار سياسي حقيقي، ولا يمكن تحقيق السلم المستدام إلا عبر احترام الدساتير الوطنية وإجراء الانتخابات الحرة والنزيهة.

إن المغرب عبر وجوده في مجلس السلم والأمن يُعزز مبادئ:

• احترام الدساتير الوطنية.

• رفض الانقلابات والتدخلات غير الشرعية.

• دعم الانتقالات الديمقراطية السلمية.

5. حفظ الأمن والسلم في القارة

يمثّل السلم والأمن هدفاً استراتيجياً فى حد ذاته، إذ يقفان وراء كل تنمية حقيقية. ويتخذ المغرب في هذا السياق:

• مقاربة متعددة الأبعاد تجمع بين السياسي، الأمني، الاقتصادي، والاجتماعي.

• دعم الأطر الافريقية لحفظ السلام.

• تعزيز التعاون في مجالات إزالة أسباب النزاعات.

6. تأهيل الدول الأفريقية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً

يشكّل التأهيل الشامل للدول الأفريقية هدفاً استراتيجياً للمغرب، من خلال:

• برامج تدريبية لرفع كفاءات الكفاءات الأمنية والسياسية.

• مبادرات تنموية واجتماعية ترفع من مستوى الاندماج المجتمعي.

ويُنظر إلى بناء القدرات باعتباره ضامناً لتثبيت السلم والمواطنة والتماسك الاجتماعي.

ثالثاً: التحديات المرتقبة في ظل انتخاب المغرب في مجلس السلم والأمن الأفريقي

1. مواجهة خصوم الوحدة الترابية والدبلوماسية المغربية

يمثل وجود أطراف تسعى إلى إضعاف الحضور المغربي داخل المؤسسات القارية تحدياً دبلوماسياً واستراتيجياً، يستدعي:

• تعزيز التحالفات.

• تقديم مقاربات مقنعة مبنية على المنافع المشتركة.

• التموقع داخل أروقة القرار الإفريقي.

2. الحد من هيمنة بعض الدول التي لا تخدم مصلحة القارة

تُعد مسألة الهيمنة السياسية والدبلوماسية لبعض الدول على القرارات الإفريقية تحدياً؛ إذ تشكّل أحياناً عائقاً أمام تحقيق التوافق القاري، فيستوجب:

• الدفاع عن مقاربة شاملة ومتوازنة.

• العمل على بناء إجماع واسع.

3. تدبير ملفات الأمن والسلم بما يخدم مصلحة الاتحاد الإفريقي

يتطلب هذا:

• تبني حلول إقليمية وليس أحادية.

• تجاوز مقاربات أمنية ضيقة نحو مقاربة تنموية–سياسية تشمل الأسباب الجذرية للنزاعات.

خاتمة

لقد وضعت استراتيجية صاحب الجلالة الملك محمد السادس لبناء عمق إفريقي خارطة طريق فاعلة لتحقيق السلم والأمن والتنمية بالاعتماد على منهج شامل ومتكامل.

إن انتخاب المغرب في مجلس السلم والأمن الإفريقي يُعد فرصة فارقة ليس فقط لتعزيز الحضور المغربي، بل لدفع الاتحاد الإفريقي نحو مقاربة أكثر نضجاً في معالجة قضايا السلم والأمن والتنمية، بما يصب في مصلحة الشعوب الإفريقية ويجسد رهان التكامل والاحترام المتبادل بين الدول.

إقرأ الخبر من مصدره