إما السلام أو العزلة: مفترق الطرق أمام الجزائر

Écrit par

dans

نورالدين البركاني

تجد الجزائر نفسها اليوم أمام معادلة إقليمية ودولية متغيرة، في وقت يحظى فيه مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب بدعم قوى دولية وازنة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، إضافة إلى عدد كبير من الدول التي تعتبر هذا المقترح حلاً واقعياً وذا مصداقية وقابلاً للتطبيق. هذا التحول في موازين المواقف الدولية لم يأتِ من فراغ، بل يعكس توجهاً عالمياً متنامياً نحو تغليب الحلول البراغماتية التي تحفظ الاستقرار وتفتح آفاق التنمية بدل إدامة النزاعات.

المغرب، من جهته، اختار منذ سنوات منطق المبادرة بدل الانتظار، وطرح رؤية تقوم على منح الأقاليم الجنوبية حكماً ذاتياً واسعاً تحت السيادة المغربية، بما يضمن كرامة الساكنة وتدبيرهم لشؤونهم المحلية، في إطار وحدة الدولة. هذا المقترح حظي بتقدير دولي لأنه ينسجم مع روح التسويات السياسية المعاصرة، التي تقوم على التوازن بين السيادة الوطنية والخصوصيات المحلية، بعيداً عن الأطروحات القصوى التي أثبتت التجارب الدولية صعوبة تنزيلها.

في المقابل، يبدو أن النظام الجزائري ما يزال يراهن على استمرار حالة التوتر، في وقت يتجه فيه العالم نحو بناء التكتلات الاقتصادية وتعزيز الاندماج الإقليمي. وهنا يبرز سؤال جوهري: من يدفع ثمن هذا الرهان؟ لا شك أن الخاسر الأكبر هو الشعب الجزائري، الذي تُستنزف موارده المالية وطاقاته البشرية في نزاع طال أمده، بينما كان بالإمكان توجيه تلك الإمكانات نحو تنويع الاقتصاد، وخلق فرص الشغل، وتطوير البنيات التحتية، وتعزيز مكانة الجزائر كقوة اقتصادية في شمال إفريقيا.

لقد أثبتت التجارب أن الاستقرار السياسي هو المدخل الأساس لأي نهضة تنموية. فالدول التي نجحت في تحقيق معدلات نمو مرتفعة هي تلك التي اختارت تسوية خلافاتها ووجهت جهودها نحو الاستثمار في الإنسان والاقتصاد. والمنطقة المغاربية، بما تتوفر عليه من إمكانات بشرية وطبيعية هائلة، كانت قادرة على أن تصبح قطباً اقتصادياً مؤثراً لو تم تغليب منطق التعاون بدل الصراع.

العالم اليوم لا ينتظر المترددين. هناك توجه واضح نحو دعم الحلول الواقعية، وتعزيز الشراكات القائمة على المصالح المشتركة. ومع اتساع دائرة الدول الداعمة لمقترح الحكم الذاتي، تجد الجزائر نفسها في وضع دبلوماسي أكثر عزلة، ما يضعها أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الانخراط في مسار تسوية عقلاني يفتح الباب أمام مستقبل من التعاون والاستقرار، وإما الاستمرار في موقف يزداد صعوبة في ظل التحولات الدولية المتسارعة.

إن منطق الحكمة وحسن الجوار يقتضي إعادة قراءة المشهد بواقعية، بعيداً عن الحسابات الضيقة أو الرهانات التي لم تعد تجد لها صدى في المجتمع الدولي. فالمستقبل لن يُبنى بالشعارات، بل بالقدرة على التكيف مع المتغيرات، وبالشجاعة السياسية لاتخاذ القرار المناسب في اللحظة المناسبة.

لقد أصبح واضحاً أن خيار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يلقى دعماً متنامياً، وأن ميزان الشرعية الدولية يميل نحو الحلول التي تضمن الاستقرار. وأمام هذا المعطى، يبقى الخيار أمام الجزائر بين أن تختار طريق السلام والتعاون، بما يخدم شعبها أولاً، أو أن تجد نفسها مضطرة، عاجلاً أم آجلاً، إلى التكيف مع واقع دولي لم يعد يقبل بإطالة أمد النزاعات دون أفق.

إن استقرار المنطقة ليس مصلحة مغربية فقط، بل مصلحة مشتركة لشعوبها جميعاً. والتاريخ لا يرحم من يضيع فرص التحول في اللحظات الفاصلة.

إقرأ الخبر من مصدره