الأحداث بقلم محمد اعويفية
مع حلول شهر رمضان الأبرك تشهد العديد من المدن في المغرب ظاهرة متنامية تتمثل في توسع نشاط الباعة المتجولين في الفضاءات العمومية بشكل رهيب، بات يعكس تحولا واضحا في طبيعة العلاقة بين هذه الفئة والسلطات المحلية. فلم يعد الباعة المتجولون يتعاملون مع حملات المراقبة بنفس منطق الخوف و الحذر الذي كان سائدا في السابق، بل أصبح الاصطدام المباشر أو غير المباشر مع السلطة أمرا متكررا وعاديا في بعض المناطق.
يرتبط هذا التحول الكبير بعوامل متعددة، أولها الوضع الاجتماعي والاقتصادي الصعب الذي يدفع كثيرين إلى اختيار التجارة غير المهيكلة كمصدر رزق أساسي ، حتى وإن كان ذلك خارج الإطار القانوني. ومع ارتفاع معدل البطالة وتراجع فرص العمل المستقر ، لم يعد البائع المتجول يرى في حملات المنع سوى تهديد مؤقت، سرعان ما يتجاوزه بالعودة إلى نفس النشاط.
كما أن الانتشار الكبير لمقاطع الفيديو عبر وسائل التواصل الاجتماعي ساهم في تغيير الموازين والتخفيف من التأثير الرمزي . فالاحتكاكات التي كانت تمر في صمت أصبحت توثق وتنشر على نطاق واسع، ما يمنح الباعة شعورا بنوع من الحماية المعنوية والشرعية في الوجود بقوة في الشارع العام، كما يجعل تدخل السلطة محرجة تحت ضغط الرأي العام المحلي.
من جهة أخرى، يعكس هذا الواقع إشكالا أعمق يتعلق بغياب حلول تنظيمية جذرية و مستدامة. فالمقاربة التي تعتمد فقط على الحملات الظرفية غالبا ما تؤدي إلى عودة الظاهرة بعد فترة قصيرة، لأن نفس الأسباب الاقتصادية والاجتماعية لا تزال قائمة بلا حل. وفي ظل هذا الفراغ التنظيمي، يتحول الشارع إلى مساحة صراع يومي بين ضرورة فرض النظام وضرورة البحث عن لقمة من أجل البقاء.
غير أن عدم خوف الباعة المتجولين من الاصطدام مع السلطة لا ينبغي قراءته فقط كتمرد، بل أيضا كمؤشر مهم على الحاجة إلى إعادة صياغة العلاقة بين التنظيم القانوني والواقع الاجتماعي الذي أصبح يعيشه أغلب المواطنين. فالحلول الناجحة لا تقوم على مقاربة المنع وحدها، بل على إدماج هذه الفئة في الاقتصاد المنظم عبر أسواق مهيأة، وتراخيص واضحة بلا تلاعب ، ومواكبة اجتماعية شفافة و حقيقية.
ستظل ظاهرة الاحتكاك بين الباعة المتجولين والسلطة انعكاسا لتوازن دقيق بين متطلبات النظام وضرورة العيش، وهو توازن لا يمكن تحقيقه إلا عبر مقاربة واقعية تجمع بين الحزم والتنظيم الفعال والبعد الاجتماعي.
هيئة التحرير22 فبراير، 2026
إقرأ الخبر من مصدره