كنزة لعليليس
السوق الأسبوعي، قلب القرية النابض في رمضان
في الوقت الذي تتحول فيه المراكز التجارية الكبرى في المدن إلى فضاءات زجاجية باردة ومزدحمة، تظل الأسواق الأسبوعية في القرى والمداشر المغربية القلب النابض للحياة الرمضانية الأصيلة، هنا تحت الخيام المتواضعة وعلى إيقاع خطوات فوق تراب المسالك الوعرة، يُكتب سيناريو مختلف للصيام، بطله الفلاح البسيط الذي يواجه غلاء الأسعار بسلاح القناعة، ويحوّل السوق من مجرد فضاء للبيع والشراء إلى موعد اجتماعي.
بالنسبة للقروي، لا يُختزل الذهاب إلى السوق في اقتناء القفة، بل هو طقس جماعي ولقاء أسبوعي ، يكتسي حلة خاصة، تتعالى عبارات رمضان مبارك، وتتجدد صلات الرحم بين أبناء المداشر الذين فرّقتهم الجغرافيا وجمعتهم الرحبة، هنا تُتداول أخبار البلاد، وتُعقد المصالحات، وتُنسج خيوط التضامن.
بين المنتج وموائد الصائمين، “الشناقة” في الواجهة
غير أن الصورة ليست دائماً وردية، فخلف الأجواء الرمضانية، يبرز واقع اقتصادي صعب يعيشه عدد من الفلاحين الصغار، الذين يجد بعضهم نفسه مضطراً لشراء جزء من حاجياته الغذائية من السوق، رغم كونه منتجاً، إما بسبب محدودية تنوع محاصيله أو حاجته إلى بيع إنتاجه كاملاً لتغطية التزاماته المالية.
كما أن هناك اختلالات في سلاسل التسويق، حيث يضطر بعض الفلاحين إلى بيع محاصيلهم بأثمان منخفضة مقارنة بسعر البيع النهائي، نتيجة حاجتهم إلى سيولة فورية وغياب وسائل التخزين أو النقل المباشر نحو المستهلك، وفي المقابل، تُطرح هذه المنتجات في السوق بهوامش ربح تختلف بحسب تكاليف النقل وتقلبات العرض والطلب، ما يخلق فجوة بين سعر المنتج وسعر البيع.
هذه الوضعية تجعل كلاً من المنتج والمستهلك عرضة لتقلبات السوق، في ظل ضعف قنوات التسويق المباشر وغياب تنظيم كافٍ يضمن شفافية أكبر في تحديد الأسعار.
بنية تحتية هشة وكرامة مؤجلة
المعاناة لا تقف عند حدود الأسعار، فالكثير من الأسواق الأسبوعية تفتقر إلى أبسط شروط التنظيم، مسالك وعرة و طينية تتحول إلى أوحال مع أولى زخات المطر، غياب مرافق صحية لائقة، ضعف في الإنارة، وفضاءات غير مهيأة لعرض المنتجات الغذائية.
هذا الواقع يطرح سؤال الكرامة في فضاء يُعد شرياناً اقتصادياً واجتماعياً لملايين القرويين، فالسوق ليس مجرد مساحة للبيع، بل هو مؤسسة اجتماعية واقتصادية تستحق التأهيل والدعم.
كيف يدبّر القروي قفة رمضان
الاكتفاء بالمواد الأساسية مع تقليص استهلاك اللحوم بسبب ارتفاع أسعارها في السنوات الأخيرة والاستفادة من الحبوب المخزنة وطحنها محلياً لإعداد الخبز ومشتقاته والعودة إلى المنتوج المحلي مع الاعتماد على الخضر الموسمية المتوفرة في” الجنانات والفدادن ” متى أمكن ذلك وكدا استمرار تقاليد تبادل الأطباق وتوزيع ” قفة رمضان” من طرف جمعيات أو مبادرات محلية.
ورغم ضغط المصاريف، يؤكد عدد من القرويين أن رمضان يظل موسماً للتماسك الأسري والاجتماعي أكثر منه موسماً للاستهلاك.
من أجل إنصاف اقتصاد القرب
إن إنصاف الأسواق الأسبوعية هو إنصاف للإنسان القروي ذاته. ومن هذا المنبر، تتجدد الدعوة إلى:
- تأهيل البنية التحتية وتحويل الأسواق إلى فضاءات منظمة تحفظ كرامة البائع والمشتري؛
- محاربة المضاربة عبر تفعيل آليات المراقبة وضمان شفافية سلاسل التوزيع؛.
- دعم البيع المباشر من الضيعة إلى المستهلك لتقليص الوسطاء وضبط الأسعار.
يبقى السوق الأسبوعي في رمضان مرآة تعكس واقع المغرب العميق، فهو ليس مجرد فضاء للتسوق، بل مكان تتجلى فيه قيم البركة والتكافل الاجتماعي وفي الوقت نفسه قد يتحول أحياناً إلى ساحة تواجه فيها الفلاح والمستهلك تحديات الاستغلال وارتفاع الأسعار.