غوتيريش يحذر من هجوم شامل وممنهج تقوده القوى العظمى ضد حقوق الإنسان في العالم

Écrit par

dans

العمق المغربي

حذر أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من أن حقوق الإنسان تتعرض لهجوم شامل في جميع أنحاء العالم، منبها إلى أن سلطة القوة باتت تطغى على سيادة القانون، حيث أوضحت تقارير أممية صدرت اليوم الاثنين أن هذا الاعتداء لا يأتي من الخفاء ولا يعتبر حدثا مباغتا بل يقع على مرأى ومسمع الجميع وغالبا ما يقوده أصحاب القوة العظمى، وذلك خلال افتتاح الدورة الحادية والستين لمجلس حقوق الإنسان في مدينة جنيف السويسرية.

وأشار المسؤول الأممي في كلمته التي تعد الأخيرة له في افتتاح المجلس بوصفه أمينا عاما للأمم المتحدة نظرا لانتهاء فترة ولايته أواخر العام الحالي، إلى أن حقوق الإنسان تتعرض لصد ممنهج على المستوى العالمي يتم تارة عن عمد وتارة وفق استراتيجية مرسومة ليصل الأمر أحيانا إلى التباهي بهذا التراجع، محذرا من العواقب الوخيمة لهذا الوضع لأن انهيار حقوق الإنسان يؤدي حتما إلى انهيار كل شيء آخر بدءا من السلام والتنمية وصولا إلى التماسك الاجتماعي والثقة والتضامن، ومشددا في الوقت ذاته، تزامنا مع الذكرى العشرين لتأسيس المجلس، على أهمية أدوات مجلس حقوق الإنسان بما فيها المقررون الخاصون وآليات التحقيق والاستعراض الدوري الشامل، معتبرا أن الضرورة باتت ملحة لتحويل الانخراط الجيوسياسي إلى مسار فعلي لتعزيز حقوق الإنسان وحمايتها عالميا.

وأضاف غوتيريش أن العالم يعيش اليوم واقعا تبرر فيه المعاناة الجماعية ويستخدم فيه البشر كورقة مساومة ويعامل القانون الدولي كعائق، مبرزا أن الصراعات تتزايد وتفشي الإفلات من العقاب أصبح وباء لا ينتج عن نقص المعرفة أو المؤسسات بل عن خيارات سياسية، حيث أوضحت مصادر المنظمة أن هذه الأزمة ليست حالة معزولة بل مرآة تضخم كل انقسام عالمي، في ظل تزايد الاحتياجات الإنسانية وانهيار التمويل واتساع الفوارق بسرعة مذهلة وغرق الدول في الديون وتدهور المناخ، إلى جانب استخدام التكنولوجيا وخاصة الذكاء الاصطناعي بطرق تقمع الحقوق وتعمق عدم المساواة وتعرض المهمشين لأشكال جديدة من التمييز، مما يدفع الضعفاء إلى مزيد من التهميش ويجعل المدافعين عن حقوق الإنسان أول من تكمم أفواههم، وهو ما يظهر جليا في تشديد الخناق على الحيز المدني وسجن الصحفيين والناشطين وإغلاق المنظمات غير الحكومية والتراجع عن حقوق المرأة وتجاهل حقوق الطفل واستبعاد ذوي الإعاقة وتآكل الديمقراطيات وسحق الحق في التجمع السلمي، مجددا في هذا الصدد إدانته للقمع العنيف للاحتجاجات الأخيرة في إيران.

وأكد الأمين العام وفقا للمصادر ذاتها أن حقوق الإنسان ليست شعارا يطلق في أوقات الرخاء بل واجب في كل حين يتطلب الدفاع عنه رغم الصعوبات والتكاليف، مفصلا ذلك في ثلاثة محاور عاجلة أولها ضرورة حماية الأسس المشتركة دون مساومة، حيث إن ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي وصكوك القانون الدولي لحقوق الإنسان ليست خيارات قابلة للتجزئة ولا يمكن للقادة انتقاء ما يروق لهم منها، وثانيها ضرورة تعزيز المؤسسات عبر إصلاح مجلس الأمن ليعكس واقع عالم اليوم وليس عالم عام ألف وتسعمائة وخمسة وأربعين، وثالثها إطلاق العنان لقوة حقوق الإنسان التي ترتقي بالعالم إلى مكان أفضل وتضمن حرية الناس وعدالة الاقتصادات وثقة المجتمعات واستقرار السلام بناء على تأصل الكرامة.

وتابع المتحدث ذاته استعراض بؤر التوتر العالمية متطرقا إلى الوضع في أوكرانيا، حيث سيلقي كلمة أمام مجلس الأمن يوم غد الثلاثاء بمناسبة الذكرى السنوية الرابعة للغزو الروسي الشامل الذي أسفر عن مقتل أكثر من خمسة عشر ألف مدني، مؤكدا أن الوقت قد حان لوقف إراقة الدماء، كما استحضر كلمته أمام لجنة ممارسة الحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني محذرا من أن الانتهاكات الصارخة للقانون الدولي في الأراضي المحتلة تقوض جهارا نهارا حل الدولتين وهو ما لا يجب أن يسمح به المجتمع الدولي، ومشيرا كذلك إلى مشاركته في قمة الاتحاد الإفريقي حيث تصدرت أزمات السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية ومنطقة الساحل النقاشات، ليختم نداءه بمطالبة المجتمع الدولي بعدم السماح لتآكل حقوق الإنسان بأن يصبح ثمنا للمصالح السياسية وبجعل المجلس درعا لكل محتاج في عالم يحمي نفسه بحماية حقوق الإنسان.

وكشفت رئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة أنالينا بيربوك في مداخلتها أن خطابها يمثل دعوة جماعية للعمل، موضحة أن التاريخ يعلمنا أن الأنظمة الكبيرة لا تنهار فجأة بل تتآكل ببطء قاعدة تلو الأخرى وسط صمت المدافعين عنها، ومؤكدة أن الصمت والتقاعس هما خياران لهما عواقب وخيمة في حين أن العمل يظل خيارا متاحا بأيدي الجميع، كما استلهمت من ختام دورة الألعاب الأولمبية في إيطاليا وبداية دورة الألعاب البارالمبية درسا حول قدرة الرياضيين على تحقيق الإنجازات عند الاتحاد رغم الاختلافات والتنافس بنزاهة واحترام متبادل إيمانا بقيمة الإنسان.

ودعا رئيس مجلس حقوق الإنسان سيدهارتو رضا سوريوديبورو إلى الوقوف دقيقة صمت حدادا على ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم، مشيرا إلى أن الحضور القوي لأكثر من مائة وعشرين شخصية رفيعة المستوى لافتتاح هذه الدورة يبعث برسالة قوية تؤكد الأهمية البالغة للمجلس ولقضايا حقوق الإنسان وضرورة التعاون متعدد الأطراف لمواجهة التحديات، ومطالبا بأن تكون هذه الدورة منصة متجددة للاستماع والعمل والاستجابة لمتطلبات المرحلة الراهنة.

وأوضح مفوض حقوق الإنسان فولكر تورك من جانبه أن العالم يشهد منافسة شرسة على السلطة والنفوذ والموارد بوتيرة وكثافة لم تسجل منذ ثمانين عاما، مما جعل الناس يشعرون بالضياع وانعدام الأمان في ظل تغير موازين القوى العالمية والتكهنات بنهاية النظام العالمي الحالي، مبرزا تطلعه لنظام مبني على الكرامة والمساواة والعدالة، ومحذرا في الوقت نفسه من التطبيع مع استخدام القوة لحل النزاعات وتوجيه التهديدات التحريضية ضد الدول ذات السيادة والانتهاك الوحشي لقوانين الحرب الذي يولد معاناة مدنية جماعية تتكشف فصولها بوضوح من السودان إلى غزة ومن أوكرانيا إلى ميانمار.

إقرأ الخبر من مصدره