عبد النبي الحري
وإذا كان العروي قد اختار لوصيته امرة عوض شاب يافع، كما فعل روسو، واستغنى عن الاتكاء على عصا كاهن جبل السافوا، على خلاف الفيلسوف الأنواري، مفضلا أن يكون هو نفسه، أي العروي، بطلا ل”اعترافاته”، التي صاغها في قالب تعبيري من جنس الرسائل.
إذا كان الأمر كذلك، فإن العروي احتفظ، مع ذلك، بأسلوب روسو، الذي صاغه على لسان القس، حتى يعوض نفسه، عن تجربة فكرية، رفضت مؤسسة أمريكية إتاحتها له بجبال الألب، التي كانت تستضيف فيها كل ستة أشهر، شخصية مفكرة، للاشتغال على مشروع بحثي معين، يتم الاتفاق عليه مسبقا، فاقترح عليها العروي، لما عرض عليه أمر “الخلوة الذهنية” هذه، أن يكون مشروعه، هو التأمل المباشر في القرآن الكريم، فكان الرد سلبيا !
وهذا ما دفع العروي إلى دعوة مراسلته المتخيلة إلى أن تقوم بالتجربة ذاتها التي لم يتمكن من القيام بها، مخاطبا إياها بقوله: “تقولين إنك تقضين نصف السنة على ظهر سفينة مختبر تجرين فحوصا وتجارب دقيقة في عمق جنوب المحيط الهادي. عوض أن تطالعي للمرة العاشرة مؤلفات ستيفنسن وهرمان ملفليل، لماذا لا تستبدلينها بكتابنا العزيز”؟
وإذن، يقوم العروي بالتجربة التي رفضت المؤسسة المذكورة إتاحة الفرصة له للقيام بها في جبال الألب، وينسج لها مشهدا طقوسيا، شبيها بذاك الذي نسجه خيال روسو لموعظة الجبل؛ مشهد خارج المدينة، من خلال سيدة، قدرها أن تقضي نصف كل سنة مما تبقى من عمرها خارج المدينة، لا في قمم الجبال، ولكن، هذه المرة، في أعالي البحار.
وقد أسفرت هذه الخلوة الفكرية المفترضة، عن أسئلة وأجوبة، تتضمن وصية العروي الفكرية، أو اعترافاته العقدية، فما هي العناصر الأساسية لهذه الوصية/ العقيدة؟
تلك هي الأسئلة التي سنحاول في الحلقات القادة الإجابة عنها.