القانون نصف الطريق… والديمقراطية الحزبية جوهر الإصلاح

Écrit par

dans

محمد بنساسي

إن مراجعة المنظومة القانونية المؤطرة للعملية الانتخابية، مهما بلغت أهميتها التشريعية والمؤسساتية، ستظل محدودة الأثر إذا لم تُصاحبها إرادة حزبية واعية ومسؤولة، قادرة على تفعيل مقاصد المشرّع وتجسيد الأهداف الإصلاحية المرجوة منها في الممارسة الحزبية الداخلية؛ فالنص القانوني لا يملك، في حد ذاته، القدرة على إحداث التحول المنشود ما لم يجد بيئة سياسية حاضنة ومناسبة تستثمره في الاتجاه الصحيح.

فالقانون، مهما بلغت دقة صياغته وجرأة مستجداته ورحابة مقتضياته، يظل في نهاية المطاف أداة معيارية وإجرائية لا تؤتي ثمارها إلا بوجود فاعلين سياسيين يمتلكون الاستعداد والقابلية لتفعيل مضامينه بنفس ديمقراطي على أرض الواقع، وبإرادة صادقة تحترم روحه قبل التذرع بحرفيته.

أما حين تُطوَّع مقتضياته لخدمة مصالح ضيقة، أو لشرعنة اختيارات سياسية شخصية أو فئوية، فإنه يفقد روحه ويُفرغ من أهدافه الإصلاحية، ويتحوّل من رافعة للتحديث السياسي والدفع في اتجاه عصرنة أدواته إلى مجرد غطاء شكلي لإعادة إنتاج الممارسات نفسها.

كما أن كنه الأزمة في هذا الصدد لا ينحصر في النصوص القانونية وحدها، على الرغم مما يعتريها من قصور وعوار في بعض الجوانب، بل يرجع، في جزء كبير منه، إلى اختلالات عميقة مرتبطة بإشكالية الديمقراطية الداخلية للأحزاب السياسية، وإلى الذهنيات التقليدية التي تتحكم في القرار السياسي داخلها، فغياب المأسسة الديمقراطية الحقيقية يُفرغ النصوص من مضمونها ويجعلها عاجزة عن تحقيق المقاصد المرجوة منها، مهما بلغت جودة هندستها التشريعية.

ولنستحضر، في هذا السياق، بعض الأمثلة المستمدة من واقع ممارستنا الحزبية في علاقتها بالعملية الانتخابية، وعلى رأسها تدبير لائحة التمييز الإيجابي المخصصة للنساء، وكذا اللائحة الوطنية الموجهة للشباب على مستوى مجلس النواب قبل إلغائها، باعتبارهما من أبرز الآليات التي كُشفت من خلالها حدود الممارسة الحزبية.

فإذا ما استثنينا التجربة الأولى لهاتين الآليتين، التي أفرزت نخباً نسائية وأطرًا شبابية ساهمت بجدية في الارتقاء بدور البرلمان، سواء على مستوى الوظيفة التشريعية عبر الاقتراح والمناقشة، أو على مستوى الاختصاص الرقابي من خلال جودة الأسئلة الكتابية والشفوية، فإن ما تلاها من تجارب لاحقة سرعان ما انحرفت عن أهداف وغايات المشرّع، وشهدت انزلاقات خطيرة قوّضت الغاية من إقرار هذين المكسبين، وأفرغتهما تدريجيًا من مضمونهما الإصلاحي.

إذ تحولت هذه الآليات من أدوات تمكين سياسي للنساء والشباب وتحفيزهم وتشجيعهم على الانخراط في الحياة العامة عبر بوابة البرلمان، إلى مجرد غنائم انتخابية يجري توزيعها على الأقارب والمقربين والوافدين الجدد، وفق اعتبارات لا تمت بصلة لمنطق الاستحقاق النضالي أو التدرج التنظيمي الذي كان يفترض أن يوجّه عملية التزكيات والاختيارات داخل الأحزاب.

ولا تزال نتائج هذه الانحرافات تلقي بظلالها على أحزابنا السياسية إلى يومنا هذا، إذ لم تتعافَ بعد من آثارها التي عمّقت الخلافات والاختلافات والانقسامات الداخلية، ورسّخت ممارسات أضعفت ثقة مناضليها وقواعدها في عدالة تدبيرها لطموحات كفاءاتها وأطرها، بل كرّست لدى الرأي العام صورة سلبية عن الفعل الحزبي والعمل السياسي ككل، وأسهمت في توسيع فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة.

والإشكال هنا لا يكمن في هوية من حظي بالتزكية من النساء أو الشباب لولوج قبة البرلمان في حد ذاتها، بقدر ما يتمثل في الطريقة والمنهجية التي اعتُمدت في عملية الاختيار والانتقاء، والتي جرت خارج المعايير والشروط التي يعتبرها المناضلون عادلة ومنصفة داخل أحزابهم السياسية؛ إذ انتصرت “الكولسة” على شروط الديمقراطية، والمحاباة على منطق التدرج التنظيمي والرصيد النضالي والكفاءة السياسية.

وبذلك حُرمت الحياة السياسية، ومعها المؤسسة التشريعية، من كفاءات نسائية وأطر شبابية مؤهلة لتجسيد هموم وتطلعات المواطنات والمواطنين داخل المؤسسة التشريعية، واستُبدلت هذه الكفاءات بوجوه وافدة على العمل السياسي افتقرت إلى التجربة السياسية، وأسهمت بممارساتها السلبية في الإساءة ليس فقط إلى الحزب السياسي الذي زكاها، بل إلى صورة البرلمان والحياة السياسية برمتها.

وبالتالي، فإن أي مبادرة تشريعية جديدة تستهدف توسيع قاعدة المشاركة النسائية على مستوى مجلس النواب، أو تروم تعزيز حضور الشباب على مستوى هذه المؤسسة، ستظل قاصرة عن بلوغ غاياتها ما لم تُرافقها إرادة حزبية صادقة، تلتزم باعتماد آليات ديمقراطية داخلية واضحة وشفافة ومعلنة في تدبير الطموحات وتوزيع التزكيات على الكفاءات الأصيلة والمتمرسة داخل الأحزاب السياسية، بما يعيد الاعتبار لمنطق الاستحقاق السياسي والتدرج الحزبي.

صحيح أن تدبير الطموحات داخل الأحزاب السياسية، وخاصة ما يتعلق منها بالاستحقاقات الانتخابية، يُعد مهمة معقدة وشاقة تتداخل فيها اعتبارات كثيرة، منها ما هو خارج البنية الحزبية؛ غير أن اعتماد معايير واضحة وآليات شفافة ونزيهة في حسم مسألة التزكيات من شأنه أن يُيسّر هذا التدبير، ويجعل نتائجه محل توافق ورضى وقبول لدى عموم المناضلات والمناضلين المتشبعين بقيم الديمقراطية والملتزمين بقواعدها وشروطها الداخلية.

فالقانون، في نهاية المطاف، ليس سوى نصف الطريق، أما النصف الآخر ـ وهو الأعمق والأكثر تعقيدًا ـ فيكمن في إصلاح البنية الداخلية للأحزاب السياسية ذاتها، باعتبارها الفاعل المركزي في تنزيل أي إصلاح تشريعي متصل بالعملية الانتخابية.

فالديمقراطية لا تُبنى بالنصوص القانونية وحدها، بل تنهض عبر تراكم ممارسة حزبية جادة ومسؤولة، تعزز المشاركة السياسية وتدعم مقوماتها في الحياة العامة؛ لأن الإصلاح المنشود سيظل رهينًا بمدى التزام الأحزاب بالقواعد القانونية وفق غاية المشرّع، لا وفق مصالح القيادات أو حساباتها الظرفية والمرحلية.

ومن ثمّ، يمكن التأكيد أن العائق الجوهري أمام النهوض بالممارسة السياسية ببلادنا، وفي صلبها العملية الانتخابية، لا يكمن أساسًا في سنّ المزيد من الإصلاحات القانونية، على أهميتها وضرورتها في بعض الجوانب، بقدر ما يتمثل في الارتقاء بجوهر الممارسة الحزبية ذاتها في شموليتها؛ فبدون أحزاب سياسية قوية بمؤسساتها، ومتماسكة بمناضليها، وواعية بأدوارها الدستورية والمجتمعية، سيبقى أي إصلاح قانوني عاجزًا عن ترجمة مقاصده الإصلاحية على أرض الواقع.

كما أن الرهان الحقيقي اليوم الملقى على عاتق الأحزاب السياسية، وهي مقبلة على الاستحقاقات الانتخابية 2026، والذي ينبغي أن يحظى باهتمامها ومجهودها، يتمثل في تحويل المعركة السياسية من مجرد سباق انتخابي ظرفي محكوم بمنطق المقاعد والأرقام، إلى تدافع فكري وأخلاقي وقيمي وبرنامجي، يفتح آفاقًا أرحب أمام المشروع السياسي الوطني في شموليته وتعدده، لتجديد الحياة السياسية بما ينعكس إيجابًا على الحياة العامة عبر إعادة بناء جسور الثقة مع المجتمع ومؤسساته الوطنية.

إقرأ الخبر من مصدره