رأسمالية رقمية تُشيّئ الإنسان.. كيف تحوّل الخوارزميات الوعي إلى سوق والمواطن إلى مادة ربح؟

يعدّ السؤال. من يحكم العالم؟، بل من يُشكّل وعينا ويهندس اختياراتنا اليومية؟، سؤالاً محيّراً بالفعل، لأن ما نعيشه ليس مجرد طفرة تكنولوجية عابرة، بل تحوّل عميق في بنية السلطة ذاتها؛ انتقال من السيطرة المباشرة إلى الهيمنة الناعمة، ومن الإكراه الصريح إلى التوجيه الخفي.

نحن لسنا أمام “نظرية مؤامرة” تُدار في الظل، بل أمام منطق اقتصادي عالمي يجعل من الإنسان مادة أولية في دورة الربح، ويحوّل سلوكاته الأكثر خصوصية إلى بيانات قابلة للاستثمار.. حين تحدث أنطونيو غرامشي عن الهيمنة، كان يقصد قدرة طبقة ما على جعل رؤيتها للعالم تبدو طبيعية وبديهية، اليوم تمارس الشركات الرقمية الكبرى هذا الشكل من الهيمنة عبر الخوارزميات، فهي لا تفرض علينا ماذا نقرأ أو نشاهد أو نسمع، لكنها ترتب العالم أمامنا بطريقة تجعل بعض الخيارات مرئية بقوة، وأخرى شبه غائبة.

نحن لا نُجبَر على الاستهلاك، لكننا نُقاد إليه عبر هندسة دقيقة للرغبات، مجموعة من الآراء والأبحاث في هذا الصدد أصبحت تصف ما يقع بـ “رأسمالية المراقبة” وهو تشخيص لبنية اقتصادية جديدة، بحيث تتحول بياناتنا الشخصية إلى مادة خام، تُستخرج وتُحلَّل وتُباع في أسواق التنبؤ بالسلوك.

لم يعد الهدف فقط أن نشتري منتجًا، بل أن يصبح سلوكنا نفسه قابلاً للتوقع والتوجيه.. كل نقرة، كل إعجاب، كل توقف لثوانٍ أمام مقطع فيديو، يدخل في معادلة ربح لا نراها، بهذا المعنى، يتحول الإنسان من مواطن إلى “مستخدم”، ومن فاعل سياسي إلى زبون دائم، السوق لم يعد ينتظر حاجاتنا، بل يصنعها لنا.

إذا كان المجتمع الصناعي المتقدم يخلق إنسانًا يعتقد أنه حر، بينما هو أسير حاجات مصطنعة..، فإنّ الفرق اليوم أن المصنع ليس بناية ضخمة، بل شاشة في جيب كل واحد منا، والمفارقة أن المجتمعات التي ترفع لواء الحرية الفردية هي الأكثر تغلغلاً في هذا النمط من الهيمنة الرقمية.. التكنولوجيا هناك تحيط بالإنسان من كل جانب، العمل، التسوق، العلاقات، الأخبار، وحتى المواقف السياسية.

ومع ذلك، ومن قلب هذه المنظومة نفسها، تظهر مقاومات فكرية تحاول دق ناقوس الخطر، كتابات نقدية، حركات تطالب بالسيادة على البيانات والخصوصية، وأصوات أكاديمية تكشف كلفة هذا “التقدم”، لكنها، إلى الآن، تظل أصواتًا خافتة أمام قوة رأس المال العابر للقارات.

والأخطر من الهيمنة الاقتصادية هو التحول المعرفي الذي رافقها، لقد نشأ شكل جديد من الخمول الفكري، حيث لم يعد الفرد مستعدًا للبحث الطويل، للمقارنة، للتحقق، بل يكفي أن يكتب سؤاله على “تكتوك” أو “أنستغرام” أو يوتوب، وغيرها من المنصات الرائجة، فيجد عشرات الإجابات الجاهزة، يقدمها أشخاص لا يعرف عنهم شيئًا، ومع ذلك يمنحهم ثقة شبه مطلقة.. لم نعد نسأل، من المتحدث؟ ما تكوينه؟ ما مصادره؟ صارت الثقة تُمنح بناءً على عدد المتابعين لا على صلابة الحجة، وهنا يكتمل منطق الهيمنة، من خلال سقوط الوساطة المهنية، الصحافة، البحث الأكاديمي، والخبرة المتخصصة، كلها تراجعت أمام ثقافة السرعة والتفاعل، حين يصبح إدمان الشاشة أمرًا عاديًا، وحين تُقاس القيمة بعدد المشاهدات، نكون قد قبلنا قواعد اللعبة دون نقاش، كلما تعمقت التكنولوجيا في حياتنا اليومية، ازداد هامش التنبؤ بنا، الأجهزة الذكية ليست أدوات محايدة؛ إنها نقاط تجميع دائمة للبيانات، ومع تراكم هذه البيانات، يصبح من الممكن ليس فقط معرفة ما نريده، بل التأثير فيما سنريده لاحقًا.

نحن نعرض حياتنا طوعًا، ونشارك “الشادة والفادة” كما يقال، جميع تفاصيلنا بحماس، ثم نتساءل كيف أصبحنا قابلين للتوجيه.. لسنا أمام قدر محتوم، لكننا أمام بنية متماسكة تجعل من المقاومة فعلًا معقدًا، والمعركة ليست ضد التكنولوجيا في ذاتها، بل ضد اختزال الإنسان في بعده الاستهلاكي.. ليست المشكلة في المنصات، بل في تحوّلها إلى بديل عن التفكير النقدي، وعن الجهد المعرفي، وعن الصحافة المهنية التي كانت تقوم بوظيفة التمحيص والتحقق والنقد.

إن أخطر ما قد نخسره ليس خصوصيتنا فقط، بل قدرتنا على الشك، على التريث، على البحث.. فإذا كانت الرأسمالية التقليدية تستغل قوة العمل، فإن نسختها الرقمية تستغل الانتباه والوعي، وحين يصبح الانتباه سلعة، يصبح الإنسان نفسه جزءًا من سلسلة الإنتاج.

إن السؤال لم يعد هل نستخدم التكنولوجيا، بل هل نملك المسافة النقدية الكافية حتى لا تُستخدم ضدنا، فإما أن نستعيد دورنا كفاعلين أحرار قادرين على مساءلة ما يُعرض علينا، أو نقبل بهويتنا الجديدة: “مستخدمون نشيطون في نظام يعرف عنا أكثر مما نعرفه عن أنفسنا، ويوجه اختياراتنا باسم الحرية، بينما يخدم في العمق منطق السوق وحده”.

إقرأ الخبر من مصدره