آسفي والسياحة المحيطية: هل نحن أمام مفارقة؟

Écrit par

dans

الأحداثالدكتور سعيد لقبي
للوهلة الأولى، قد يبدو الربط بين آسفي والسياحة المحيطية أمرًا متناقضًا. فمدينةٌ مينائية صناعية، ارتبط اسمها طويلًا بالبنيات التحتية الثقيلة وبالدور التصديري، هل يمكن أن تتحول إلى وجهة بحرية مستدامة وجاذبة؟
السؤال مشروع، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن قراءة غير مكتملة للتراب المحلي.
فإذا ما استحضرنا الأدوات المفاهيمية المعاصرة في مجال التنمية الترابية، فإن آسفي لا تبدو حالة تناقض، بل مثالًا نموذجيًا لرأسمال بحري غير مستثمر بالشكل الكافي. وقد لا تكون المفارقة سوى وهمٍ ظاهري.
آسفي كرأسمال ترابي بحري
يعرّف الجغرافي Roberto Camagni الرأسمال الترابي بأنه مجموع الموارد المادية واللامادية والثقافية والرمزية التي تُشكّل الميزة التنافسية لإقليم ما. ولا يقتصر هذا الرأسمال على البنيات التحتية، بل يشمل الهوية والذاكرة الجماعية والشبكات العلائقية.
وتتوفر آسفي بالفعل على هذا الرأسمال:
●عمق تاريخي بحري (طرق قديمة، مدينة وسيطة أطلسية، حضور برتغالي).
●رأسمال اقتصادي صيدي (أول ميناء عالمي للسردين خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي).
●رأسمال لامادي (معجم بحري هجين «بيدجين»، طقوس مرتبطة بالبحر مثل «معروف» ومواكب أهل البحر قبل انطلاق موسم الصيد، والمراسيم ما قبل الزواج المعروفة بـ«تكراط الحوت»).
●رأسمال رمزي دولي (رحلة RA II expedition، وذاكرة إنزال 1942 ضمن Operation Torch).
هذا الرأسمال موجود بالفعل، وليس بحاجة إلى اختراع، بل إلى تنظيم وهيكلة.
من تسويق المكان إلى الانسجام الاستراتيجي
يرى الباحث Mihalis Kavaratzis أن تسويق المكان (Place Branding) ليس عملية تجميلية، بل هو مسار يهدف إلى تحقيق الانسجام بين الهوية الترابية والحكامة والاستراتيجية الاقتصادية.
فالمجال لا يصطنع صورة من العدم، بل ينظم ما هو كامن فيه أصلًا.
وفي حالة آسفي، ليست الهوية المحيطية شعارًا محتملًا، بل حقيقة تاريخية وثقافية راسخة:
●البحر شكّل تاريخ المدينة.
●البحر يوجّه اقتصادها.
●البحر يسكن لغتها ومخيالها الجماعي.
والتحدي يكمن في تحويل هذه الهوية المتفرقة إلى مشروع مهيكل.
الاقتصاد الأزرق: إطار للفرص
تعرّف كل من UNESCO وOrganisation for Economic Co-operation and Development الاقتصاد الأزرق المستدام بأنه نموذج يوفق بين استغلال الموارد البحرية، والابتكار الاقتصادي، وحماية النظم البيئية.
ويرتكز هذا الإطار على ثلاثة أعمدة:
1المسؤولية البيئية.
2الإدماج الاجتماعي.
3التنويع الاقتصادي.
وتتوفر آسفي على ثقافة بحرية عريقة. أما الانتقال المنشود فيكمن في إدماجها ضمن المعايير المعاصرة عبر:
●صيد مستدام.
●تثمين محلي لسلاسل التحويل.
●تكوين في المهن البحرية المبتكرة.
●حماية فعالة للساحل.
وفي هذا السياق، تصبح السياحة المحيطية مكونًا طبيعيًا من مكونات الاقتصاد الأزرق.
دينامية في طور التشكل: من المحلي إلى الدولي
ليست هذه الرؤية نظرية فحسب. فقد شكّل معرض «آسفي: قدر أطلسي»، الذي نظمته جمعية حوض آسفي، محطة مهمة في بلورة هذا التوجه، إذ ساهم في رسم خريطة الإمكانات البحرية للمدينة وبناء سردية منسجمة.
واليوم تمتد هذه الدينامية إلى المستوى الدولي، حيث ستُعرض الخطوط الكبرى لهذه الرؤية خلال الأيام العلمية السادسة عشرة حول السياحة المستدامة، المزمع تنظيمها بمدينة Troyes (فرنسا) في الفترة الممتدة من 23 إلى 25 أبريل المقبل. وتمثل هذه المشاركة إدراجًا لآسفي ضمن نقاش أكاديمي دولي حول النماذج الترابية المستدامة.
ويعني تقديم آسفي في هذا السياق أنها لم تعد مجرد حالة محلية، بل أصبحت مختبرًا مفاهيميًا يجمع بين:
●الرأسمال الترابي (Camagni).
●تسويق المكان (Kavaratzis).
●الحكامة المجالية المرتكزة على الخصوصية الترابية.
●الاقتصاد الأزرق المستدام.
وهكذا ينتقل النقاش من الهامش إلى الساحة الدولية.
انسجام مع الاستراتيجيات الوطنية
تندرج هذه الرؤية ضمن سياق وطني استراتيجي يشمل:
●خارطة الطريق للسياحة 2023–2026، الموجهة نحو التجربة والترابية.
●المبادرة الملكية للأطلسي، التي تعيد تموقع المغرب في فضاء جيوسياسي أوسع.
●الاستثمارات المرتبطة بكأس العالم 2030، كمحفز للبنيات التحتية وتعزيز الحضور الدولي.
●التوجهات الوطنية في مجال الاقتصاد الأزرق والتنمية المستدامة.
وفي هذا الإطار، يمكن لآسفي أن تصبح:
●قطبًا مكملًا للمدن الكبرى.
●مختبرًا للسياحة البحرية المستدامة.
●نموذجًا للتنمية الشاملة في المدن المتوسطة.
السياحة المحيطية: مفارقة أم امتداد طبيعي؟
إن السياحة المحيطية في آسفي لا تعني التخلي عن هويتها الصناعية، بل تعني الانتقال بها إلى مرحلة جديدة.
ومن الأمثلة العملية المقترحة:
■تثمين Château de Mer كمركز لتفسير التراث البحري.
■إنشاء مركز وطني مخصص للحضارات الأطلسية: مشروع “أطلانتيس”.
■إحداث علامة «سردين آسفي المستدام».
مسار أضرحة الساحل.
■مهرجان أطلسي سنوي يجمع بين الثقافة والاقتصاد الأزرق.
وسيكون هذا النموذج:
●متجذرًا،
●مستدامًا،
●شاملًا،
●ومتكاملًا.
آسفي والسياحة المحيطية: هل هي مفارقة؟
الجواب: لا.
بل هي كاشف استراتيجي:
كاشف لرأسمال ترابي طال إغفاله.
كاشف لانسجام بين التاريخ والاقتصاد والجيوسياسة.
كاشف لفرصة واعدة في أفق 2030.
في مغربٍ يؤكد انتماءه الأطلسي ويستعد لكأس العالم 2030 كواجهة دولية، يمكن لآسفي أن تستعيد دورها الطبيعي كمدينة متجهة نحو البحر.
وتتلاشى المفارقة أمام وضوح الرؤية.
موعد مع قدرها الأطلسي لاستعادة جوهرها الذي وصفه به ابن خلدون:
«حاضرة البحر المحيط»

هيئة التحرير28 فبراير، 2026

إقرأ الخبر من مصدره