زلزال سياسي يهز مراكش: سقوط عبد العزيز الباز يضع منظومة التعمير والعمدة في قفص المساءلة

Écrit par

dans

الخط : A- A+

تعيش مراكش اليوم على وقع واحدة من أخطر الهزات السياسية التي عرفتها في السنوات الأخيرة، بعد التوقيف المدوي للقيادي المحلي بحزب البام، الذي كان يجمع بين ثلاث صفات بالغة الحساسية: الأمين المحلي للحزب بمقاطعة المنارة، ونائب رئيس مجلس المقاطعة المكلف بقطاع التعمير، ونائب رئيس غرفة الصناعة التقليدية لجهة مراكش آسفي.

سقوط الباز، متلبساً وفق المعطيات الأولية بتلقي مبلغ مالي قدره 150.000 درهم مقابل تدخل مفترض في ملف مرتبط بالتعمير، حسب مصادر “برلمان.كوم”، لم يكن مجرد حادث عابر، بل شكّل صدمة سياسية وأخلاقية عميقة، لأنه كشف هشاشة الخطاب السياسي الذي طالما رفع شعارات النزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة، بينما كانت الوقائع، على الأرض، تسير في اتجاه مغاير تماماً.

التعمير في قلب العاصفة: حين يتحول قطاع استراتيجي إلى بؤرة شبهات

قطاع التعمير ليس قطاعاً تقنياً عادياً، بل هو أحد أخطر مفاصل السلطة المحلية، لأنه يتحكم في منح التراخيص، وتسوية الوضعيات العقارية، وإعادة هيكلة الأحياء، وترحيل السكان، والمصادقة على مشاريع بملايين الدراهم، وحين يجد مسؤول منتخب، مكلف بهذا القطاع تحديداً، نفسه في قلب شبهة رشوة، فإن الأمر لا يتعلق بسلوك فردي معزول، بل بانهيار خطير في منظومة الثقة.

الأخطر من ذلك، أن هذه القضية أعادت إلى الواجهة سؤالاً ظل يتردد بصمت داخل الأوساط السياسية: كيف تركزت مفاتيح قطاع التعمير، بكل حساسيته المالية والاستراتيجية، في يد منتخبين ينتمون إلى نفس الحزب؟ وأين كانت آليات الرقابة؟ ومن كان يراقب من؟

صمت ثقيل… وأسئلة محرجة تلاحق القيادة السياسية

الأنظار تتجه اليوم بشكل مباشر إلى عمدة المدينة، تضيف مصادر “برلمان.كوم”، التي لا تمثل فقط السلطة التنفيذية المحلية، بل تشغل أيضاً موقع الأمينة العامة لحزب الأصالة والمعاصرة، ما يجعل مسؤوليتها سياسية وأخلاقية مضاعفة.

فالمنتخبون لا يسقطون من السماء، بل يتم اختيارهم، تزكيتهم، والدفاع عنهم سياسياً، وعندما يتورط أحد أبرز الوجوه المحلية للحزب في قضية بهذا الحجم، فإن السؤال لم يعد فقط عن مسؤولية المتهم أمام القضاء، بل عن مسؤولية المنظومة السياسية التي منحته الشرعية، والسلطة، والثقة.

هل كانت هناك مؤشرات سابقة تم تجاهلها؟
هل كان هناك تساهل، أو غض طرف، أو ثقة عمياء؟
أم أن منطق الولاء السياسي كان أقوى من منطق الكفاءة والنزاهة؟

هذه الأسئلة لم تعد مجرد نقاشات نخبوية، بل أصبحت أسئلة الشارع، وأسئلة الرأي العام، وأسئلة كل مواطن فقد الثقة في خطاب سياسي لم يعد يقنع أحداً.

الكواليس المظلمة: معطيات مقلقة تزيد الشكوك

في موازاة المسار القضائي، تتداول أوساط سياسية وإعلامية معطيات غير مؤكدة عن تحركات واتصالات مكثفة مع المشتكي، في محاولة محتملة لإقناعه بالتنازل، وإذا ثبتت صحة مثل هذه المعطيات، فإن الأمر لن يتعلق فقط بقضية رشوة، بل بمحاولة محتملة للالتفاف على العدالة نفسها، وهو ما سيشكل سابقة خطيرة تمس جوهر دولة القانون.

وفي المقابل، يروج مقربون من المتهم رواية مختلفة، يعتبرون فيها أن القضية قد تكون نتيجة صراع نفوذ أو تصفية حسابات مرتبطة برفض منح رخصة تعمير، غير أن هذه الروايات، مهما كانت طبيعتها، لا تلغي حقيقة واحدة ثابتة: أن القضاء وحده هو المخول بكشف الحقيقة، وأن الوقائع، وليس الولاءات، هي التي ستحدد المسؤوليات.

لحظة الحقيقة: سقوط شخص… أم سقوط مرحلة؟

ما يحدث اليوم في مراكش يتجاوز شخص عبد العزيز الباز أو من معه، إنه اختبار حقيقي لمصداقية الخطاب السياسي، ولمدى استعداد المؤسسات لتحمل مسؤولياتها، ليس فقط في معاقبة المتورطين، بل في مراجعة طريقة اختيار المسؤولين، ومراقبة أدائهم، ومحاسبتهم قبل أن تتحول الشبهات إلى فضائح.

لأن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي مدينة، ليس وجود الفساد فقط، بل التعايش معه. وليس سقوط مسؤول، بل سقوط الثقة.

اليوم، تقف مراكش أمام مفترق طرق، إما أن تكون هذه القضية بداية لمرحلة جديدة من ربط المسؤولية بالمحاسبة الفعلية، أو أن تتحول إلى مجرد رقم جديد في سجل الفضائح التي تهز الرأي العام… قبل أن يبتلعها النسيان.

وفي انتظار كلمة القضاء، يبقى السؤال الأكثر إيلاماً معلقاً في ضمير المدينة:
من كان يحمي من… ولماذا؟

إقرأ الخبر من مصدره