زينب شكري
أثار قرار القناة الثانية برمجة أربعة مسلسلات تركية خلال شهر رمضان موجة انتقادات واسعة في الأوساط الإعلامية والثقافية، بعد تخصيصها أوقات بث أساسية ضمن الشبكة البرامجية، من بينها ساعة الذروة التي كانت تقليديا مجالا لتنافس الإنتاجات الدرامية المغربية.
وأعادت الخطوة إلى الواجهة النقاش حول مكانة الإنتاج الوطني داخل القنوات العمومية، خاصة في فترة رمضانية تُعد الموسم الأهم من حيث نسب المشاهدة وحجم الاستثمار الإعلاني.
واعتبر منتقدون، أن منح هذا الحيز الزمني للأعمال الأجنبية، مقابل حضور محدود للأعمال المغربية من حيث العدد أو توقيت البث، يطرح أكثر من علامة استفهام بشأن أولويات البرمجة ودور الخدمة العمومية في دعم الصناعة الدرامية المحلية.
وفي هذا السياق، وجهت النائبة البرلمانية حنان أتركين سؤالا شفويا إلى وزير الشباب والثقافة والتواصل، حول ما وصفته بـ“هيمنة المسلسلات التركية على القنوات العمومية”.
وجاء في نص السؤال، أن تزايد حضور الدراما التركية يقابله تراجع نسبي في حضور الإنتاج الوطني، سواء من حيث عدد الأعمال أو مواقعها داخل الشبكة البرامجية.
وطالبت النائبة البرلمانية، عن حزب الأصالة والمعاصرة، بتوضيحات حول المعايير المعتمدة في اقتناء وبث الأعمال الدرامية الأجنبية، خصوصا التركية منها، متسائلة عن نسبة حضور الإنتاج الوطني مقارنة بالإنتاج الأجنبي ضمن البرمجة السنوية للقنوات العمومية.
كما دعت إلى الكشف عن الإجراءات والتدابير التي تعتزم الوزارة اتخاذها لدعم وتشجيع الدراما المغربية، وضمان ما وصفته بتحقيق التوازن الثقافي والإعلامي.
وفي سابقة لافتة، قررت القناة عرض المسلسل التركي “هاديك حياتك” يوميا على الساعة الثامنة مساء، وهو التوقيت الذي اعتاد المشاهد المغربي أن يتابع فيه الأعمال المحلية الجديدة ضمن السباق الرمضاني. هذا القرار اعتبره متابعون تحولا في سياسة البرمجة، خصوصا أن الثامنة مساء تمثل إحد أقوى نقط المشاهدة خلال اليوم.
ولم تكتف القناة بهذا العمل، إذ برمجت أيضا مسلسل “عائلتي” قبل موعد الإفطار بساعة، إلى جانب “الأمانة” على الساعة الثالثة بعد الزوال، و”خيوط القدر” في الحادية عشرة ليلا. وبذلك تحضر الدراما التركية في أربع فترات مختلفة من اليوم، بينها توقيتان أساسيان خلال رمضان.
وفجرت هذه البرمجة نقاشا على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث عبر عدد من النشطاء عن استغرابهم من تخصيص هذا الحيز الكبير لأعمال أجنبية مدبلجة، في وقت يطالب فيه مهنيون ومتابعون بدعم الإنتاج الوطني.
واعتبر بعض رواد منصات التواصل الاجتماعي أن القناة كان بإمكانها إعادة بث أعمال مغربية سابقة لملء الفراغ، بدل اللجوء إلى مسلسلات تركية لا تعكس البيئة والثقافة المحليتين.
وفي هذا السياق، وصف الناقد الفني عبد الكريم واكريم خطوة القناة الثانية بـ”المهزلة”، معتبرا أن برمجة مسلسل تركي مدبلج يوميا في ساعة الذروة خلال رمضان سابقة غير مفهومة.
وأشار واكريم في تدوينة على “فيسبوك” إلى أن القنوات كانت في السابق تتفادى مثل هذه الخطوات في الشهر الفضيل، احتراما لخصوصية البرمجة الرمضانية التي تركز عادة على الإنتاج المحلي، مضيفا أن القنوات العربية خلال رمضان تعزز حضور أعمالها الوطنية، بينما يجري في الحالة المغربية تكثيف المحتوى التركي.
من جانبه، اعتبر الناشط أنس العاقل، أن ما يحدث يعكس “إفلاس السمعي البصري”، منتقدا عرض هذه المسلسلات في وقت الذروة وبجودة دبلجة وصفها بالضعيفة. ورأى أن مكان هذه الأعمال، إن عُرضت، يجب أن يكون خارج الفترات الأساسية، مؤكدا أن المشاهد خلال الإفطار ينتظر أعمالا قريبة من واقعه وثقافته.
بدوره، كتب محمد الجوهري أن القناة “غرقت” في المحتوى التركي، مشيرا إلى أن عدد المسلسلات المعروضة يوميا إلى جانب إعادة بث بعضها وأفلام تركية، يجعل نسبة مهمة من الشبكة مخصصة لهذا النوع من الأعمال. واعتبر أن تخصيص ما يفوق نصف البرمجة لمحتوى واحد يطرح علامات استفهام حول توجه القناة وخياراتها التحريرية.
ومن جهتها دعت ناشطة “فيسبوكية” تدعى نجوى قيس، إلى التوقف عن تكثيف المسلسلات التركية، مطالبة بإنتاجات مغربية تستحضر وجوها رائدة إلى جانب طاقات شابة، معتبرة أن الدراما المحلية أولى بملء شبكة رمضان.
وفي المقابل، يرى متابعون أن القناة تراهن على نسب مشاهدة مرتفعة اعتادت أن تحققها الأعمال التركية المدبلجة، خاصة لدى فئات واسعة من الجمهور. غير أن منتقدي هذه الخطوة يشددون على أن منطق الأرقام لا ينبغي أن يكون المحدد الوحيد، خصوصا في شهر يعتبر ذروة الموسم الدرامي وفرصة لدعم الصناعة الوطنية.