أحمد العكيدي
من العراق
شكلت حرب الخليج الأولى والثانية المؤدية إلى سقوط النظام العراقي محطة بارزة بصمت على نهاية حقبة النظام العالمي القائم على الأقطاب، المنتهي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وبداية تشكل النظام العالمي الجديد حيث تركزت الهيمنة العالمية بيد قوة واحدة بلا منافس ولا رادع، تصول وتجول حسب ما تمليه عليها مصالحها وأحيانًا أهواؤها أو أهواء حليفها المدلل الكيان الصهيوني المحتل.
بعد عقود قليلة من ذلك أدركت الولايات المتحدة الأمريكية أن قبضتها على العالم تلاشت وأن هناك من ينازعها عرشها. وهذا ما بدا جليًا بعد تولي دونالد ترامب الحكم حيث سارع إلى اتخذ إجراءات فورية للسيطرة على الوضع الدولي وتكريس الهيمنة الأمريكية؛ فتم إقرار خطط لرفع التعريفة الجمركية خاصة على المنتوجات الصينية في محاولة لكبح نموها الاقتصادي وإضعافها، وتدشين مشروع للذكاء الاصطناعي بمليارات الدولارات، وارغام أوكرانيا على التوقيع على اتفاقية المعادن النادرة، واختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من غرفة نومه، في مشهد هوليودي وفي تحد صارخ للمؤسسات الدولية، وذلك للسيطرة على النفط وقطع الطريق أمام الصين.
ثم إيران
وفق هذا المنحى التاريخي، تعد الحرب على إيران عملية جراحية مركزة لانقاد النظام العالمي الأحادي المتداعي. الهدف المعلن؛ تغيير النظام وكذلك كان بالنسبة للعراق. المبررات تتشابه؛ أسلحة الدمار الشامل، تهديد دول الجوار وما إلى ذلك. غير أنه بين الحدثيين جرت مياه كثيرة، جرفت معها الكثير من محددات القوة الأمريكية. إذا كان العدوان على العراق تدشينًا لعصر السيادة الأمريكية فهل الحرب على إيران ستشهد أفولها؟
سواء كان الهدف الخفي من الحرب على إيران خنق الصين اقتصاديًا واستراتيجيًا وجيوسياسيا، عبر التحكم في الإمدادات النفطية المارة بمضيق هرمز، وبالتالي تكريس الهيمنة الأمريكية على العالم، أم فقط إذعانًا لرغبة المحتل الإسرائيلي وخدمةً له، كما أتى على ذكره السيناتور الديمقراطي مارك وارنر بعد إدلاء ماركو روبيو بشهادته بالكونجرس بخصوص الحرب؛ فإن الحدث تحول عمليًا إلى محطة مفصلية في العلاقات الدولية ستتمخض عنها تغيرات هائلة، يمكن إجمالها في نقطتين اساسيتين: تكريس النظام العالمي الحالي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية للعقود القادمة لكن وفق قواعد جديدة أو صعود قوى دولية جديدة، الصين على وجه التحديد، فيتم الانتقال تدريجيًا إلى نظام عالمي مغاير، وبالتالي نهاية عصر الهيمنة الأمريكية كما انتهت حقبة السيطرة البريطانية بعد العدوان الأوروبي على مصر سنة 1956، وكانت حينها الولايات المتحدة الأمريكية القوة العالمية الثانية كما هي الصين الآن.
ماذا عن الصين؟
عمليا، سقوط إيران أو استسلامها ورضوخها للشروط الأمريكية والصهيونية سيؤدي حتمًا إلى تغيير قواعد اللعبة في هذه المنطقة الحساسة ولن تصب في مصلحة الصين. على المستوى الاقتصادي ستتضرر إمدادات الصين من النفط وستتأثر مصانعها وتتعطل سلاسل توريدها وسينعكس ذلك على نموها ويكبح من طموحها وربما يجعلها تتوارى إلى الخلف كما حدث لليابان. على المستوى الاستراتيجي، بفقدان حليف جيوسياسي غاية في الأهمية مثل إيران، ستجد الصين نفسها محاصرة ومراقبة من ألذ أعدائها مما يجعل منها، في حالة قبولها بالأمر والواقع، مجرد دولة خاضعة. لذلك تجد الصين نفسها أمام خيارين: التدخل في الحرب بتنسيق مع روسيا ولو بطريقة غير مباشرة من خلال تموين وتسليح إيران ومدها بالعتاد والتكنولوجيا المتقدمة اللازمة لصمودها وتقديم الدعم الاستخباراتي والدبلوماسي لها، أو تستكين إلى وضعها الحالي، وحتى في هذه الحالة لن تُؤمن لأنها ستكون على خطوط التماس الساخنة بينها وبين عدوها الأمريكي، مما قد يورطها في مواجهة مباشرة مرعبة. صمود إيران من شأنه ترجيح كفة الخيار الأول ويغري الصين على التدخل في الحرب بشكل ما.
موقع دول المنطقة
كشفت الحرب الجارية على إيران أن دول الخليج العربي ارتكبت خطأ تاريخيًا فادحًا باعتمادها المفرط على المظلة الأمريكية؛ فرغم إمكاناتها المالية الضخمة، تظل في وضع استراتيجي مكشوف وهش. كما تبين أن القواعد العسكرية الأمريكية لا وزن لها وباتت عبئاً أمنياً واستراتيجيًا عليها، عكس ما كانت تظن. الدول العربية الأخرى، كمصر وسوريا والأردن وغيرها، معنية بما يحدث ولن تخرج منه سليمة مهما رضخت؛ فالأطماع الصهيونية لم تعد مخفية وشهيتهم التوسعية لن تتوقف عند حدود معينة وكلما اقتطعوا جزءً من أرض عربية قالوا: هل من مزيد. كما أن الصراع الحالي يكشف بجلاء أن هذه الدول غائبة تمامًا عن صناعة حاضرها قبل مستقبلها، وأنها على الأرجح ستخضع مرغمة لرغبة الطرف المنتصر أيا كان وفق شروط أكثر إذلالاً. لذلك يتحتم عليها مجتمعة تقييم تحالفاتها واستدراك ما يمكن استدراكه في لحظة التحول العالمي الحالية. فلهم أن يختاروا: إما أن يكونوا حول المائدة أو طبقا عليها.
على سبيل الختم
بعد نهاية الوضع الحالي لن تخرج أمريكا كما كانت، وهي المعنية أساسًا بما يحدث، لن تكون هناك منطقة وسطى؛ أما منهزمة أو منتصرة. وهذا يعتمد على مخرجات الحرب الدائرة والمتأثرة بالمتغيرات الإقليمية والدولية؛ إذا لم تنهزم إيران وصمدت واضطرت أمريكا للانسحاب فقد انهزمت وبدأ عصر انحدارها وزوالها وهذا سيرخي بثقله على المحتل الاسرائيلي، أما إذا حدث العكس فسيشهد العالم شكلاً مغايرًا للنظام العالمي الحالي، ستتضح سماته تدريجيًا مع مرور الوقت، وقد يمر بمرحلة انتقالية مضطربة. في حالتين معا ستكون دول المنطقة أكثر تضررًا.